00:00بولاية بنسلفانيا الأمريكية وسط الغابات الخضرة في مساحة رماضية غريبة هتظهر قدامك فجأة
00:06شوارع مقطوعة أسفل تمشقق بعمق ودخان أبيض طالع من الشقوق دي بريحة كابريت قوية
00:13المكان ده مش مهجور لسبب عادي
00:16المدينة دي بتتحرق من جواها بقالها أكتر من ستين سنة
00:20المدينة اسمها سنتراليا
00:23من عقود قليلة كانت مدينة هادية جداً
00:27فيها بيوت وكنايس ومحلات وعائلات عايشة فيها من سنين
00:31النهاردة مفيش هناك غير الصمت
00:33بس الأغرب من الصمت هو اللي هتحس بيه لو وقفت على الأسفلت في بعض الشوارع
00:39هتحس بحرارة واضحة طلع من تحت ركلك
00:42في مناطق معينة الأرض سخنة لدرجة أن الأسفلت لان وتنع على نفسه
00:47كأن في فرن ضخم شغال تحت القشرة اللي انت واقف عليها
00:51المشهد يبان كأنه لقطة من فيلم خيال علمي
00:55بس سنتراليا واقعية وموجودة لحد النهاردة
00:59مفيش هنا لغز غامض ولا قوة خارقة
01:02الحكاية بدأت بغلطة بشرية بسيطة
01:05غلطة حولت حياة مئات العائلات لكابوس
01:08وخلت المهندسين يقفوا عاجزين قدام حريقة مش راضية الطفي
01:12عشان نفهم إزاي مدينة كاملة اتحولت لمكان بيدخم بالشكل ده
01:17لازم نرجع لسنة 1962
01:20لليوم اللي بدأت فيه الشرارة من أكتر مكان روتيني ممكن تتخيلوا
01:25في مايو 1962 المجلس المحلي لسنتراليا
01:30كان عاوز ينظف مقلب الزبالة بتاع المدينة قبل احتفالات يوم الذكرى
01:34اختاروا حفرة منجم قديمة ومهجورة عشان يرموا فيها النفايات
01:38وكان الحل الأسهل وقتها هو إنهم يولعوا في كومة الزبالة دي ويسيبوها تتحرق لحد ما تخلص
01:45الغلطة اللي ما كانش حد عامل حسابها
01:47إن العمال منظفوش أرضية المنجم من بقايا الفحم قبل ما يولعوا النار
01:52والفحم الموجود في المنطقة دي نوعه أنتراسايت
01:56وده من أجود وأصلب أنواع الفحم
01:59بيتميز إنه بيتحمل الحرارة العالية جدا
02:01ولو لقت نار بيفضل شغال ببطء والفطرات طويلة جدا
02:06زي الفحم اللي بنستخدمه في الشاوي
02:08بس على عمق مئات الأمطار تحت الأرض
02:11يوم 27 مايو رجالة الإطفاء ولعوا في الزبالة
02:15وبعد ما خلصوا رشوها بالمية عشان يتأكدوا إنها انطفت
02:19لكن اللي ما كانش بيين وقتها هو وجود فتحة في قاع الحفرة
02:23الفتحة دي كانت متغطية بطبق الطين خفيفة
02:26ومع الحرارة الطين ده نشف ووقع
02:29وكشف عن ممر بيوصل مباشرة لشبكة أنفاء المناجم اللي تحت المدينة كلها
02:34النار اتصربت بهدوء من الفتحة دي ودخلت في عروق الفحم الحجري
02:39ولما حاولوا يتفوها بالمية للمرة التانية
02:41اكتشفوا إن الموضوع مش سطحي
02:43المية كانت بتنزل في الفراغات وتتبخر من غير ما تعمل تأثير
02:47والنار كانت بدأت تتحرك فعلا في الممرات اللي تحت الأرض
02:51بعيد عن أي خرطوم إطفاق
02:53الموضوع ما كانش مجرد حدثة
02:55ده بقى حريق جوي مستمر
02:57بيتغزع على مخزون فحم ملوش آخر تحت بيوت الناس
03:01عدى بقت والناس بدأت تنسى الموضوع
03:04بس تحت رجليهم كانت الأرض بتسخن ببطء
03:08السنين اللي جات بعد كده كانت غريبة
03:10الناس في سنتراليا حاولوا يكملوا حياتهم عادي
03:13كأن مفيش نار تحتهم
03:15بس الأرض بدأت تظهر عليها علامات مقلقة
03:18تخيل تبقى قاعد في صالد بيتك
03:20وتنزل البدروم عشان تجيب حاجة
03:22فتلمس الحيطة تلاقيها سخنة جدا
03:25لدرجة إن في عائلات ما كانتش محتاجة تشغل سخنات مياه في الشتاء
03:29المواسير كانت بتنزل مياه بتغلي وحدها من حرارة التربة
03:33الموضوع ما كانش مجرد دفع زيادة
03:35كان فيه غاز أول أكسيد الكربون بدأ يتسرب للبيوت
03:39الغاز ده ملوش ريحة ولا لون
03:41بس تأثيره كان بيظهر في صورة صداء مستمر ودوخة
03:45وحالات إغماء ما كانش ليها تفسير وقتها
03:47البيوت بقت بتجمع الغازات السمة اللي طلعة من شقوق الأرض
03:51وفي سنة 1979
03:54حصلت واقعة خلت الناس تقلق بجد
03:57جون كو دينكتون صاحب محاطة بنزين في المدينة
04:01لحز إن البنزين في التنكات اللي تحت الأرض سخن بزيادة
04:04نزل سيخ قياس عشان يتطمن
04:06ولما طلعوا اتصدم
04:08السيخ كان طالع سخن لدرجة إنه ما كانش قادر يمسكه
04:12لما نزل ترمومتري إيس الحرارة تحت
04:15لقاها وصلت لـ 78 درجة مئوية
04:18يعني المحطة كانت ممكن تنفجر في أي لحظة
04:21واتطير الحي كله
04:23الحكومة وقتها حاولت تدخل
04:25بس المحاولات كانت بتزود المشكلة
04:27حفروا خنادق عشان يعزلوا الحريق
04:30بس الحفر ده كان بيدخل أكسوجين أكتر للفحم المشتعل
04:34فكانت النار بتزيد وتتحرك أسرع
04:36الفشل ده خلى الناس تبدأ تفهم
04:39إنهم بيواجهوا حاجة مش عارفين يسيطروا عليها
04:42لحد ما جات اللحظة
04:43اللي غيرت كل حاجة في سنة 1900
04:46ويحصلت
04:47تود دومبوسكي ولد عنده 12 سنة
04:50كان بيلعب في جنينة بيت جدته
04:52وفجأة الأرض انشقت تحت رجليه
04:54في ثواني تود لقى نفسه بيقع في حفرة مفاجأة
04:58قطرها حوالي متر
04:59بس العمق كان مرعد
05:01حوالي 45 متر
05:03تود وهو بيقع
05:05لحق يمسك في جزور شجر كانت بارزة من جوانب الأرض
05:08وفضل متعلق وهو شايف البخار السام طالع من تحت رجليه
05:12ابن عمه إيريك سمع صوته وجري عليه
05:14وشاف تود وهو بيحاول يمسك في الجزور والتراب بيقع من حواليه
05:18إيريك اتمدد على بطنه ومد إيده بكل قوته
05:21وبصعوبة قدر يمسك إيد تود ويسحبه لبر الأمان قبل ما يغمى عليه من ريحة الغاز
05:26الحادثة دي هي اللي خلت أمريكا كلها تنتبه للي بيحصل في سنتراليا
05:31الناس شافت بعينيها أن الخطر ما بقاش مجرد سخنية في الحيطان
05:35دي الأرض بدأت تبلع السكان فعليا
05:37القصة وصلت للصحافة العالمية
05:40وبقى فيه ضغط كبير على الحكومة عشان تلاقي حل
05:42وفعلا في سنة 1983
05:45الحكومة الأمريكية أخدت قرارها
05:47رصدوا ميزانية ضخمة أكتر من 42 مليون دولار
05:51مش عشان يطفوا الحريق
05:53لكن عشان يشتروا بيوت السكان ويدفعوا لهم تعويضات مقابل إنهم يمشوا
05:58القرار ده كان معناه إنهاء وجود المدينة نفسها
06:01هنا سنتراليا انقسمت
06:04فيه عائلات شافت إن دي فرصتهم عشان يهربوا من الخطر
06:07وفيه ناس تانية رفضوا يسيبوا بيوتهم
06:10الخلافات وصلت لدرجة إن الجيران ما بقوش يكلموا بعض
06:14والبيوت بقت مقسومة بين فريق عايز يمشي وفريق متمسك بالبقاء
06:19المشهد في الشوارع بدأ يتغير
06:21كل ما عيلة كانت بتمشي الجرفات كانت بتهد بيتهم فورا
06:25عشان ما فيش حد يرجع يسكن فيه تاني
06:27شوية بشوية بدأت تظهر فراغات واسعة بين المباني
06:31والمدينة ملامحها بدأت تتمسح بالتدريج
06:34سنة 1992 السلطات لغت الرمز البريدي الخاص بسنتراليا
06:39في لحظة المدينة ما بقتش موجودة رسميا على الخريط
06:42الناس اللي صممت تفضل هناك بقوا عايشين في مكان مش موجود
06:47والنار لسه شغالة تحت رجليهم
06:50لو رحت هناك النهاردة مش هتلاقي معدينة هتلاقي غابة
06:53وطريق مسدود ونار ما بتنطفيش
06:56وده بيخلينا نسأل ليه العلم مش قادر يطفي شوية فحم والعة تحت الأرض
07:01الفكرة إن المية هنا مش حل
07:03لإنها لما بتنزل على منجم حرارته عالية جدا بتتحول لبخار في ثانية
07:08البخار ده بيعمل ضغط عالي ويفتح شقوق جديدة في التربة
07:12والشقوق دي بتدخل أكسجين أكتر
07:14فبدل ما تطفي النار انت بتخليها تتنفس وتنتشر أكتر
07:18التقديرات بتقول إن كمية الفحم اللي تحت سنتراليا ضخمة لدرجة
07:22إن النار ممكن تفضل شغالة أكتر من 250 سنة كمان
07:26يعني أجيال حتيجي وتروح والأرض دي لسه بتتحرق من جواها
07:29لحد سنة 2020 كان فيه مكان مشهور هناك اسمه طريق الكتابة
07:34جرافيتي هايوي
07:35ده كان جزء من طريق مهجور إنشاء وبقى يطلع منه دخان
07:39فالناس كانت بتروح ترسم وتكتب ذكرياتها بالألوان على الأسفل
07:43لكن السلطات قررت تردمه بالتراب تماما عشان تمنع السياح من الزيارة
07:48وتقفل آخر صفحة من ملامح المدينة
07:50النهاردة سنتراليا بقت عبارة عن مساحة خضرة وسعة
07:54لو مشيت فيها هتشوف شوارع مرسومة على الأرض
07:57بس مفيش بيوت حواليها
07:59مفيش غير دخان خفيف طالع من بين الشجر
08:01الحكاية كلها بدأت بغلطة بسيطة
08:04شوية زبالة تحرقت في مكان غلط
08:06والنتيجة كانت مدينة كاملة اتمسحت من على الخريطة
08:09هي تذكير إن الطبيعة ساعات ما بترجعش بسهولة لما بنغلط في حقها
08:13لو مشيت في شوارع سنتراليا دلوقتي مش هتسمع غير صوت الهوى
08:17وحتحس بدفى طالع من الأرض
08:19دفى بيقولك إن النار لسه صحية تحت رجلك
08:22ومكملة طريقها في صمت
08:23لو حابين تتابعوا معانا قصص تانية حقيقية
08:26اشتركوا في وقت المعرفة
08:27وفعلوا الجرس عشان يوصلكم كل جديد
Comments