00:00بوستن 15 يناير 1919
00:03اليوم ده بدأ بجو غريب شوية على
00:07المعروف ان يناير في بوستن يعني برد وتلج بيجمد الميا
00:11لكن الصبح ده الحرارة وصلت لأربع درجات مئوية
00:16دفع مفاجئ خلى الناس تخرج للشوارع براحتها
00:19في منطقة نورث أند اللي كانت زحمة بالعمال والمهاجرين
00:23الحياة كانت ماشية عادي جدا
00:25والولاد الصغيرين بيلعبوا في الممرات الضيقة بين البيوت
00:29والعمال بيجهزوا نفسهم لساعة الغداء
00:32وسط الزحمة دي كان فيه خزان حديدي عملاق
00:35تابع لشركة بيوريتي ديستيلينج
00:38الخزان ده كان واصل ارتفاعه ل15 متر
00:41يعني أطول من أغلب البيوت اللي حواليه
00:44وجواه مخزون ضخم من الملاسس أو العسل الإسود
00:47حوالي 8.7 مليون لتر من السائل التقيل ده
00:52كانت مستنية تتحول لكحول يستخدم في الصناعات الحربية
00:56الناس هناك تعودوا على وجوده
00:58لدرجة أن ريحة العسل القوية بقت جزء من هوا المنطقة
01:02والأطفال كانوا متعودين يروحوا عند قاعدة الخزان
01:05يلحسوا نقط العسل اللي بتسرب من اللحمات بتاعته
01:08بالمسبة للسكان ده كان مجرد مخزن كبير
01:11ما كانش حد متخيل أن الدفا المفاجئ في الجو ده
01:14بيزود الضغط جوه البرطمان العملاق
01:17وبيهيئ الظروف لكارسة
01:20الساعة جت 12 و40 الضهر
01:23فجأة الهدوء ده انتهى بصوت تقطاءة معدنية سريعة وراء بعضها
01:27كأن في رشاشات تقيلة شغالة
01:30الصوت ده ما كانش رصاص
01:32ده كان صوت المسامير الحديدية الضخمة
01:34وهي بتطير من جسم الخزان
01:36وتخبط في البيوت اللي حواليه بقوة الضغط
01:39وفي ثواني انهار جسم الخزان تماما
01:43انطلقت موجة سودة وتقيلة
01:45اندفعت في الشوارع بسرعة 56 كم في الساعة
01:48العسل السود لما بيبقى بالكمية والسرعة دي
01:52بيبقى له قوة تدميرية غشمة بسبب كسفته ووزنه
01:55السائل ده شال بيوت خشبية من مكانها
01:58وقلبت عربيات النقل اللي بتجرها الخيول
02:01وحتى أطبان المتر المعلق المصنوعة من الصلب
02:04اتلوت وتحطمت تحت ضغط الموجة
02:06الناس اللي كانت في طريق السيل الاسود
02:09ملاحقتش تستوعب اللي بيحصل
02:11وفي دقايق المنطقة تحولت لمستنقع لازج
02:14بيسحب كل حاجة للقاع
02:15المشهد كان صادم ومربك لكل اللي حضره
02:19والمدينة كلها كانت في حالة زهول من فكرة
02:21ان عسل ممكن يهد حي كامل في ثواني
02:24لكن الحقيقة ان الكارسي دي ما بدأتش يوم الانفجار
02:28دي بدأت قبلها بتلات سنين
02:30بسبب سلسلة طويلة من الاستهتار والغباء الهندسي
02:33عشان نفهم الصورة كاملة
02:35لازم نرجع لسنة 1915
02:37وقت ما شركة بيوريتي ديستيلنج
02:39قررت تبني الخزان ده في وقت قياسي
02:41الموضوع ما كانش مجرد حدثة مفاجأة
02:44ده كان نتاج تراكمات من الإهمال والحسابات الغلط
02:47المسؤول عن المشروع كان راجل اسمه أرثر جيل
02:50وده ما كانش مهندس ولا بيفهم في لغة الأحمال والضغوط
02:53ده كان مجرد موظف حسابات شاطر وترقيته وصلت لمدير
02:57جيل كان كل همه أنه يخلص البنات بسرعة
03:00عشان يلحقه طفرة إنتاج الكحول الصناعي
03:03اللي كان بيستخدم في المتفجرات وقت الحرب العالمية الأولى
03:06وبعدها عشان يخزنه أكبر كمية قبل مقوانين حظر الكحولة الطبق
03:11وبسبب الاستعجال ده
03:13الشركة تخلت عن أبسط قواعد الأمان
03:15الخزان من أول يوم اتمال فيه
03:17كان بيخر عسل من كل ناحية
03:19الشقوق كانت واضحة
03:21والمصامير الحديدية اللي مسك الألواح
03:23كانت بتنضح سائل لازج طول الوقت
03:25الوضع كان غريب لدرجة أن سكان الحي
03:28والعمال اللي شغالين في الميناء
03:30كانوا بيروحوا بجراكن يلموا العسل اللي بيسرب من الخزان
03:33ويستخدموه في بيوتهم
03:34تخيل أن فيه هيكل حديدي ضخم بارتفاع عمارة خمس أدوار
03:38واقف وسط بيوت الناس
03:40وبيهرب مادة تقيلة جدا
03:41والشركة عرفة ومكملة شغل عادي
03:44لما الشكاوى زادت
03:45وبدأ العمال يحذروا من الأصوات الغريبة
03:47اللي طلع من جسم الخزان
03:49أرثر جيل خط قرار بيعتبر المؤرخين
03:52واحد من أغرب التصرفات في تاريخ الصناعة
03:54بدل ما يفرغ الخزان ويدعم الحديد
03:57أمر العمال بدهان الخزان بالكامل
03:59باللون البني المحروق
04:01والسبب ببساطة أن لون الدهان
04:03يبقى نفس لون العسل
04:04فمحدش يقدر يلاحظ التسريبات والشقوق بالعين المجردة
04:08دي كانت طريقتهم في التعامل مع الكارثة
04:10لو خبينا المشكلة يبقى مفيش مشكلة
04:13المهندسين اللي شافوا التصميم بعد كده
04:15اكتشفوا أن سمك الحديد كان أقل بكتير
04:18من اللي المفروض يتحمل ضغط
04:1912 ألف طن من العسل الإسود
04:21لازم نعرف أن العسل الإسود
04:24كثفته أكبر من المية بمرة ونص
04:26يعني وزنه جبار
04:27وبيشكل ضغط مستمر على الجدران
04:29الخزان كان حرفيا محمل فوق طقته
04:32ومستني بس أي تغيير في الظروف المحيطة
04:35عشان ينهار والتغيير ده حصل فعلا بسبب الجو
04:38يوم 14 يناير
04:40درجة الحرارة كانت تحت الصفر
04:42لكن يوم 15
04:43الجو ده في فجأة
04:45ووصل لسبعة درجات مأولية
04:48التغير السريع ده
04:50خلى العسل اللي جوه يتمدد
04:52ويطلع غازات
04:53والضغط زاد لدرجة أن الحديد
04:56اللي مدهون عشان يخبي عيوبه
04:57ما كانش عنده أي قدرة تانية على الصمود
05:00الساعة جت
05:0112 و40 الدهر
05:03وفي اللحظة دي جدران الخزان قررت
05:06إنها مش هتشيل جرام واحد زيادة
05:08المسامير الحديد
05:10بدأت تطير من مكانها
05:11وصوتها كان عالي زي ضرب النار
05:14وفجأة الخزان نهار تماما
05:16الرقم ضخم لو فكرنا فيه
05:19حوالي 2.3 مليون جلون عسل سود
05:22وزنهم بيعدي الـ 12 ألف طن
05:24خرجوا للشوارع في ثواني
05:26الموجة كان ارتفاعها بيوصل لـ 8 متر
05:30يعني طول بيت من 3 دوار
05:32وبتمشي بسرعة 56 كيلو متر في الساعة
05:35القوة دي ما كانتش مجرد مية بتجري
05:38دي كانت كتلة تقيلة جدا
05:39شالت بيوت كاملة من مكانها
05:41وزقتها لأمطار بعيدة
05:43حتى قطبان المتر المعلق اللي معمولة من الصلب
05:46الموجة خبطت في العواميد وتنتها
05:49والأطر كان فعلا هينقلب
05:50لولا إن السواق لحق يفرمل على آخر لحظة
05:53قبل ما يوصل لمنطقة الانهيار
05:55بس المشكلة الحقيقية
05:57ما كانتش بس في قوة الاندفاع
05:59المشكلة كانت في طبيعة العسل نفسه
06:01العسل سايل لازج وتقيل
06:03ومع جو يناير البارد
06:05لزوجته زادت
06:06وبقى بيتحرك ببطء
06:08بيسحب أي حاجة تقع فيه
06:09الناس اللي كانت في الشارع
06:11اتفاجئوا بالموجة واللي ملحقش يهرب
06:14لقى نفسه غرقان لركبته وبعدين لوسطه
06:16وفي دقايق العسل كان بيغطي
06:19ضحايا بالكامل وبيخنقهم
06:20محطة الاطفاق رقم 31
06:22كانت في وش المدفع
06:24لأنها قريبة جدا من الخزان
06:26لما الموجة خبطتها شالت الدور التاني
06:29من مكانه وهدت المبنى
06:30على الاطفائيين اللي كانوا جواه
06:32الاطفائيين اللي نجوا وصفوا الوضع
06:34انه كان كابوس كانوا بيحاولوا يسبحوا
06:37في العسل عشان يوصلوا لزمائلهم
06:38بس الحركة كانت شبه مستحيلة
06:41كل ما تحاول ترفع رجلك او ايدك
06:43وزن العسل بيشدك لتحت اكتر
06:46وكأنك محبوس في مادة بتزيد صلبتها
06:49مع كل حركة
06:50الحيوانات كمان كان وضعها صعب
06:52بوستن وقتها كانت بتعتمد على الخيول
06:55بشكل اساسي في النقل
06:57وعشرات منهم لزقوا في الارض
06:59وما قدروش يتحركوا خطوة وحدة
07:01ومع ثقل العسل
07:03ما كانش فيه اي طريقة لانقاذهم
07:05المشهد كان فيه تناقض غريب
07:07صراخ الناس وصوت تكسير
07:09الخشرب والحديد والريحة
07:11المسكرة القوية اللي مالت المكان
07:13بس المرة دي كانت ريحة الموت
07:15العسل سد مناخير
07:17وبق الضحايا ومنع عنهم
07:19الاكسوجين في وقت قياسي
07:21اللي وقع في قلب الموجة دي
07:23كان داخل معركة خسرانة مع الجاذبية
07:25واللزوجة وسط شوارع ملامحها
07:27اختفت تماما وبقت عبارة
07:29عن مساحة سودة وتقيلة
07:31لما الموجة هديت والحركة وقفت
07:33بوستون ما كانتش مدينة
07:35كانت بركة عملاقة من الطين الاسود
07:37المشهد في بوستون وقتها كان ملوش وصف
07:40العسل الاسود
07:41غطى كل حاجة
07:43والبرد خلاه يتقل ويتحول
07:45لمادة لازجة وصعبة جدا في الحركة
07:47كأن المدينة كلها غرقت
07:49في صمها تقيل
07:50اول ناس وصلوا للمكان كانوا بحارة
07:53السفينة الحربية منتوكت
07:54اللي كانت راسية قريب
07:56الرجال دول نزلوا الشوارع وهم بيحاولوا يستوعبوا
07:59حجم الكرسى اللي بيتعاملوا معها
08:00المشي في الشوارع بقى معركة لوحده
08:03السائل كان واصل لركب المسعفين
08:05وكل خطوة كانت بتسحب الرجل التحت
08:08كأن الأرض بتشفطهم
08:09المشكلة المرعبة كانت في إنقاذ الضحايا
08:12العسل كان عامل طبقة سميكة
08:14على الأجسام والوشوش
08:15لدرجة أن الملامح اختفت تماما
08:17المسعفين ما كانوش بيقدروا يفرقوا بين المصابين
08:21ولا حتى يعرفوا سنهم أو ملامحهم
08:23غير لما يبدأوا يمسحوا طبقات العسل التقيلة
08:26من على الهدوم والوش
08:27عشان يشوفوا مين لسه في النفس
08:29الصعوبة ما كانتش بس في لزوجة العسل
08:32لكن في إنه مع الوقت
08:33بدأ ينشف ويبقى زي الغرة
08:35عشان يحركوا حطان بيت
08:37أو يشيلوا حصان ميت من وسط الشارع
08:39كان لازم مجهود بدني ضخم
08:41وأدوات تقيلة
08:42ولما المطافي حاولت تستخدم المية العزبة العادية
08:45عشان تنظف الشوارع
08:47اكتشفوا إنها بتخلي العسل يلزق أكتر
08:49ويتحول لعجينة مستحيل تطلع
08:52الحل الوحيد
08:53اللي نفع وقتها كان استخدام مية البحر الملحة
08:56فبدأت عربيات المطافي تضخ مية المينة بقوة
08:59عشان تدوب طبقات العسل دي
09:01وترجعها تاني للمخيت
09:03العملية دي خلت لون مية المينة
09:06يقلب بني لشهور طويلة
09:07والريحة فضلت مسيطرة على المنطقة والبيوت
09:10لفترة ما كانتش بتخلص
09:12المتطوعين والعمال
09:14فضلوا أسابيع شغالين في ورديات متواصلة
09:16عشان المدينة ترجع لشكلها الطبيعي
09:18والناس اللي نجت
09:19فضلت شايلة صدمة نفسية من اللحظات
09:22اللي شافوا فيها جرانهم بيختفوا تحت الموجة
09:23لكن وسط عمليات التنظيف والبحث
09:26بدأت المعارقة تتنقل لمكان تاني خالص
09:28الشركة صاحبة الخزان
09:30كان لازم تدفع عن نفسها قدام الرأي العام والقضاء
09:33وبدل ما تتحمل مسئولية الإهمال
09:35في بناء الخزان
09:35قررت تهرب من المسئولية
09:37بحجة ما كانتش على بال حد
09:39الشركة ادعت ان اللي حصل ما كانش حدثة
09:41لكنه عمل إرهابي
09:43المعارقة القانونية اللي بدأت بعد كده
09:45كانت أطول وأصعب من عملية التنظيف نفسها
09:47الشركة حاولت بكل قوتها تثبت ادعائها
09:50وترمي التهمة على مخربين
09:52وقالت ان في قنبلة هي اللي فجرت الخزان
09:54عشان تهرب من المسئولية
09:55بس الحقيقة كانت أوضح من انها تدارة
09:58القضاء الأمريكي شهد وقتها واحدة من أول
10:01وأكبر قضايا التعويضات الجماعية في تاريخه
10:03119 قضية اتجمعوا في قضية واحدة
10:07ضد شركة صناعات الكحول الأمريكية
10:09وبعد سنين من المداولات والشهادات
10:12المحكمة حكمت ان الشركة هي المسئولة بالكامل
10:15بسبب إهمالها الصرخ
10:16وفرضت عليها تعويضات ووصلت لأرقام خيالية
10:19بمقييس سنة 1919
10:22بس الأهم من الفلوس
10:23هو الإرث اللي سابته الكرسة دي
10:25الحدثة كانت السبب الرئيسي
10:27في تغيير قوانين البناء في أمريكا بالكامل
10:29وبقى إلزامي ان اي مشروح اندسي ضخم
10:32لازم يراجع ويمضي عليه مهندس معتمد قانونيا
10:35يعني أرواح الواحد وعشرين ضحية
10:37غيرت معايير السلامة في العالم كله
10:39النهاردة مكان الخزان بأمال عبرياضي هادي
10:42وفيه لوحة تذكرية بسيطة بتحكي اللي حصل
10:45لكن سكان منطقة نورث اند
10:47لسه بيحكوا أسطورة غريبة
10:49بيقولوا ان في أيام الصيف الحر
10:51لما الشمس بتسخن الشوارع
10:53لسه تقدر تشم ريحة عسل اسود خفيفة
10:56طلعة من جدران البيوت القديمة
10:58كأن المدينة رفضة تنسى اليوم
11:00اللي تحول فيه العسل
11:02لكتلة موت لازجة
11:03لو عجبتكم القصة دي من غرائب حول العالم
11:06قولونا في التعليلات ايه أغرب كارثة تاريخية
11:10سمعتوا عنها قبل كده
Comments