00:00في أن العلماء من بين البشر أبعد عن السياسة ومذاهبها
00:06والسبب في ذلك أنهم معتادون النظر الفكرية والغوص عن المعاني وانتزاعها من المحسوسات وتجريدها في الذهن أمورا
00:15كلية عامة ليحكم عليها بأمر العموم لا بخصوص مادة ولا شخص ولا جيل ولا أمة ولا صنف من الناس
00:26ويطبقون من بعد ذلك الكلي على الخارجيات وأيضا يقيسون الأمور على أشباهها وأمثالها بما اعتادوه من القياس الفقهي
00:39فلا تزال أحكامهم وأنظارهم كلها في الذهن ولا تصير إلى المطابقة إلا بعد الفراغ من البحث والنظر
00:49ولا تصير بالجملة إلى مطابقة وإنما يفرع ما في الخارج عما في الذهن من ذلك
00:58كالأحكام الشرعية فإنها فروع عما في المحفوظ في أدلة الكتاب والسنة
01:06فتطلب مطابقة ما في الخارج كلها
01:10عكس الأنظار في العلوم العقلية تطلب في صحتها مطابقتها لما في الخارج
01:19فهم متعودون في سائر أنظارهم الأمور الذهنية والأنظار الفكرية لا يعرفون سواها
01:27والسياسة يحتاج صاحبها إلى مراعاة ما في الخارج وما يلحقها من الأحوال ويتبعها فإنها خفية
01:36ولعل أن يكون فيها ما يمنع من إلحاقها بشبه أو مثال
01:42وينافي الكلية الذي يحاول تطبيقه عليها
01:47ولا يقاس شيء من أحوال العمران على الآخر
01:51إذ كما اشتبها في أمر واحد فلعلهما اختلفا في أمور
01:57فتكون العلماء لأجل ما تعودوه من تعميم الأحكام وقياس الأمور بعضها على بعض
02:05إذا نظروا في السياسة أفرغوا ذلك في قالب أنظارهم ونوع استدلالاتهم
02:13فيقعون في الغلط كثيرا ولا يؤمن عليهم
02:16ويلحق بهم أهل الذكاء والكيس من أهل العمران
02:21لأنهم ينزعون بثقوب أذهانهم إلى مثل شأن الفقهاء من الغوص
02:27على المعاني والقياس والمحاكاة فيقعون في الغلط
02:31والعامي السليم الطبع المتوسط الكيس لقصور فكره عن ذلك
02:39وعدم اعتياده إياه يقتصر لكل مادة على حكمها
02:44وفي كل صنف من الأحوال والأشخاص على مختص به
02:47ولا يعد الحكم بقياس ولا تعميم
02:51ولا يفارق في أكثر نظره المواد المحسوسة
02:54ولا يجاوزها في ذهنه
02:57كالسابح لا يفارق البر عند الموج
03:00ومن هنا يتبين أن صناعة المنطق غير مأمونة
03:06غير مأمونة الغلط لكثرة ما فيها من الانتزاع وبعدها عن المحسوس
03:12فإنها تنظر في المعقولات الثواني
03:16ولعل المواد فيها ما يمانع تلك الأحكام
03:20وينافيها عند مراعاة التطبيق اليقيني
03:23وأما النظر في المعقولات الأول
03:26وهي التي تجريدها قريب
03:29فليس كذلك لأنها خيالية
03:31وصور المحسوسات حافظة مؤذنة بتصديق انطباقه
03:36والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق
03:41في أن حملة العلم في الإسلام أكثرهم العجم
03:46من الغريب الواقع أن حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم للعجم
03:52لا من العلوم الشرعية ولا من العلوم العقلية إلا في القليل النادر
03:58وإن كان منهم العربي في نسبته فهو عجمي في لغته ومرباه ومشيخته
04:06مع أن الملة عربية وصاحب شريعتها عربي
04:13والسبب في ذلك أن الملة في أولها لم يكن فيها علم ولا صناعة
04:19لمقتضى أحوال السداجة والبداوة
04:22وإنما أحكام شريعة التي هي أوامر الله ونواهيه
04:27كان الرجال ينقلونها في صدورهم
04:31وقد عرفوا ما أخذها من الكتاب والسنة بما تلقوه من صاحب الشرع وأصحابه
04:38والقوم يمئذ عرب لم يعرفوا أمر التعليم والتأليف والتدوين
04:43ولا دفعوا إليه ولا دعتهم إليه حاجة
04:46وجر الأمر على ذلك زمن الصحابة والتابعين
04:51وكانوا يسمون المختصين بحمل ذلك ونقله القراء
04:57أي الذين يقرؤون الكتاب وليسوا أميين
05:03لأن الأمية يومئذ صفة عامة في الصحابة بما كانوا عربا
05:10فقيل لحملة القرآن يومئذ قراء إشارة إلى هذا
05:15فهم قراء لكتاب الله والسنة المأثورة عن رسول الله
05:20لأنهم لم يعرفوا الأحكام الشرعية إلا منه ومن الحديث
05:25الذي هو في غالب موارده تفسير له وشرح
05:29قال صلى الله عليه وسلم
05:32تركت فيكم أمرين لن تظلوا ما تمسكتم بهما
05:38كتاب الله والسنة
05:40فلما بعد النقل من لدن الدولة الرشيد
05:45فما بعد احتيج إلى وضع التفاسير القرآنية وتقييدنا للحديث مخافة ضياعه
05:52ثم احتيج إلى معرفة الأسانيد وتعديل الناقلين للتمييز بين الصحيح من الأسانيد وما دونه
06:00ثم كثر استخراج أحكام الواقعات من الكتاب والسنة
06:05وفسد مع ذلك اللسان
06:07فاحتيج إلى وضع القوانين النحوية
06:10وصارت العلوم الشرعية كلها ملكات في الاستنباط والاستخراج والتنظير والقياس
06:17واحتاجت إلى علوم أخرى وهي وسائل لها من معرفة قوانين العربية
06:23وقوانين ذلك الاستنباط والقياس والذب عن العقائد الإيمانية بالأدلة لكثرة البدع والإلحاد
06:31فصارت هذه العلوم كلها علوما ذات ملكات محتاجة إلى التعليم
06:38فاندرجت في جملة الصنائع
06:40وقد كنا قدمنا أن الصنائع من منتحل الحضر
06:45وأن العرب أبعد الناس عنها
06:48فصارت العلوم لذلك حضارية
06:52وبعد عنها العرب وعن سوقها
06:55والحضر لذلك العهد هم العجم
06:59أو من في معناهم من الموالي وأهل الحواضر
07:03الذين هم يومئذ انتبعوا للعجم في الحضارة وأحوالها من الصنائع والحرف
07:09لأنهم أقوم على ذلك للحضارة الراسخة فيهم منذ دولة الفرس
07:14فكان صاحب صناعة النحو سيبويه
07:18سيبويه أو سيبويه
07:20والفارسي من بعده والزجاج من بعدهما
07:27وكلهم عجم في أنسابهم
07:29وإنما ربوا في اللسان العربي فاكتسبوه بالمربى
07:34ومخالطة العرب وصياروه قوانين وفن لمن بعدهم
07:39وكذا حملة الحديث الذين حفظوه عن أهل الإسلام
07:43أكثرهم عجم أو مستعجمون باللغة والمربى
07:47وكان علماء أصول الفقه كلهم عجما كما يعرف
07:54وكذا حملة علم الكلام
07:57وكذا أكثر المفسرين
07:59ولم يقم بحفظ العلم وتدوينه إلا الأعاجم
08:03وظهر مصداق قوله صلى الله عليه وسلم
08:07لو تعلق العلم بأكناف السماء لناله قوم من أهل فارس
08:13وأما العرب الذين أدركوا هذه الحضارة وسوقها وخرجوا إليها عن البداوة
08:20فشغلتهم الرياسة في الدولة العباسية
08:23وما دفعوا إليه من القيام بالملك عن القيام بالعلم
08:27والنظر فيه فإنهم كانوا أهل الدولة وحاميتها
08:32وأولي سياستها مع ما يلحقهم من الأنفة عن انتحال العلم
08:37حينئذ بما صار من جملة الصناع والرؤساء أبدا يستنكفون عن الصناع والمهن وما يجر إليها
08:47ودفعوا ذلك إلى من قام به من العجم والمولدين
08:51وما زالوا يرون لهم حق القيام به فإنه دينهم وعلومهم
08:58ولا يحتقرون حملتها كل الاحتقار
09:02حتى إذا خرج الأمر من العرب جملة وصار للعجم
09:06صارت العلوم الشرعية غريبة النسبة عند أهل الملك
09:11بما هم عليه من البعد عن نسبتها
09:14وامتهن حملتها بما يرون أنهم بعداء عنهم
09:21بعداء عنهم مشتغلون بما لا يغني ولا يجدي عنهم في الملك والسياسة
09:27كما ذكرناه في فصل المراتب الدينية
09:31فهذا الذي قررناه هو السبب في أن حملة الشريعة أو عامتهم من العجم
09:39وأما العلوم العقلية أيضا فلم تظهر في الملة
09:43إلا بعد أن تميز حملة العلم ومؤلفوه
09:47واستقر العلم كله صناعة فاختصت بالعجم وتركتها العرب
09:54وانصرفوا عن انتحالها فلم يحملها إلا المعربون من العجم شأن الصنائع كما قلناه أولا
10:02فلم يزل ذلك في الأمصار ما دامت الحضارة في العجم وبلادهم من العراق وخراسان وما وراء
10:11وراء النهر فلما خربت تلك الأمصار وذهبت منها الحضارة التي هي سر الله في
10:19حصول العلم والصنائع ذهب العلم من العجم جملة لما شملهم من البداوة
10:25واختص العلم بالأمصار المنفورة الحضارة ولا أوفر اليوم في الحضارة في مصر
10:33فهي أم العالم وإيوان الإسلام وينبوع العلم والصنائع
Comments