00:00أهلا بكم في هذا التحليل
00:01دعونا ندخل في الموضوع مباشرة
00:03لأننا أمام لغز محير بالفعل
00:05لماذا رغم كل ما يثبته العلم والطب الحديث بشكل قاطع
00:10نستمر كبشر في ممارسة عادة نعلم يقينا أنها قاتلة
00:14إنه حقا لغز غريب
00:16يتحدى المنطقة السليم تماما
00:18ويثير الكثير من الفضول حول الدوافع الحقيقية وراء هذا السلوك
00:22حسنا دعونا نتعمق في هذا الرقم
00:25ثمانية ملايين
00:27تخيلوا معي ثمانية ملايين إنسان
00:29هذا هو عدد الوفيات السنوية في العالم اليوم بسبب استهلاك التبغ
00:33نحن نتحدث عن المسبب الأول للوفاة الذي يمكن تجنبه كليا
00:38رقم هائل ومرعب
00:40يطرح تساؤلا مهما حول سبب استمرار هذا الاستهلاك المفرط
00:44رغم كل المعرفة المتاحة لنا
00:45وهذا يقودنا إلى السؤال الجوهري
00:48لماذا يستهلك البشر منتجا مضمونا لقتلهم
00:52فكروا في الأمر
00:53في أوائل الألفينات قادت منظمة الصحة العالمية حملة ضخمة
00:58وأدخلت ملصقات تحذيرية ورسوما مرعبة جدا في 134 دولة
01:03صور لأمراض بشعة على العلب نفسها
01:06ومع ذلك العادة مستمرة ولم تتراجع كما كان متوقعا
01:11ورغم كل هذه المخاطر الصحية البديهية
01:14فإنما يقرب من ربع سكان العالم
01:17نعم 22.3%
01:19لا يزالون يدخنون بنشاط
01:21ما يعنيه هذا هو أن الطب قد قال كلمته بالفعل
01:25لكن يبدو أن الحقائق الطبية وحدها لا تكفي لهزيمة هذه الظاهرة
01:30هناك شيء أعمق بكثير يربطنا كبشر بهذه العادة
01:35القسم الأول من الجذور المقدسة إلى التوجهات الملكية
01:39لكي نفهم هذا الإدمان حقا
01:42يجب علينا أن نتتبع القصص التي ربطتها البشرية بالتبغ عبر التاريخ
01:47المسألة لم تبدأ كقضية صحية
01:49بل كرحلة طويلة من المعتقدات التي شكلت نظرتنا لهذا النبات عبر العصور
01:55وهذا يوضح ببراعة كيف بدأت القصة
01:58انطلقت الرحلة في القرن الأول قبل الميلاد مع شعوب المايا كطقوس مقدسة
02:02ثم استخدمته قبائل الشيروكي كدواء وعلامة للسلام عبر غليون السلام
02:06بعد ذلك قفز التبغ إلى أوروبا
02:09ليصبح صرع ملكية وأرستقراطية في فرنسا عام 1560 على يد جان نيكوت
02:14والذي بالمناسبة سميت مادة النيكوتين باسمه
02:18وأخيرا في عام 1880 قلب اختراع آلة بوساك الموازين
02:22حيث حول التبغ إلى منتج رخيص ينتج بكميات ضخمة جدا
02:26ومن المفارقات التاريخية العجيبة جدا
02:29أن الأطباء الأوائل كانوا يعتقدون أن التبغ يعالج 65 مرضا
02:33نعم لقد عاملوا معه كمسكن سحري للألم بل وحتى محفز للخصوبة
02:39تخيلوا أن الأطباء في القرن السادس عشر كانوا يصفونه كعلاج
02:43نفس المنتج الذي يحاربه الطب الحديث اليوم بكل قوة
02:47القسم الثاني الدعاية النسوية والحرب
02:51ننتقل الآن إلى أوائل القرن العشرين
02:54مع الانفجار في الانتاج الضخم
02:56واجهت الشركات مشكلة بعد ظهور قوانين تمنع بيع التبغ للمراهقين في أوائل القرن
03:01فجأة احتاجت هذه الشركات إلى سرديات وروايات جديدة كليا
03:06لاستياد جماهير جديدة ورفع أرباحها
03:09وهنا يأتي دور إدوارد بيرنيس رائد العلاقات العامة
03:13في عام 1929
03:15هذا الرجل استخدم علم النفس في التسويق بذكاء شديد
03:19حيث ربط السجائر عمدا بحركة حقوق المرأة
03:23نظم مسيرات ترفع فيها النساء السجائر تحت شعار جذاب جدا
03:26مشاعر الحرية
03:28النتيجة
03:29نجحت الحملة بشكل مذهل في مضاعفة سوق التبغ
03:32الآن ما يثير الاحتمام حقا حول هذا الموضوع
03:36هو الديناميكية الغريبة التي حدثت خلال الحرب العالمية الثانية
03:40فمن جهة كانت قوات الحلفاء تعتبر التدخين رمزا للوطنية والحرية ومناهضة الفاشية
03:46وكانت توزع السجائر مجانا في الخنادق
03:48ومن جهة أخرى كانت ألمانيا النازية تقود واحدة من أبكر حملات مكافحة التدخين
03:54بناء على دراسات علمية
03:56وهنا يتضح كيف تم استخدام مفهوم اختزال هتلر
04:00بعبارة بسيطة هذا المفهوم يعني محاولة تشويه سمعة حجة صحيحة لمجرد ربطها بشخصية مكروهة
04:07شركات التبغ استغلت العلم الألماني المبكر المناهض لتدخين ببراعة
04:12واقنعت الجمهور بأن معارضة السجائر هي بمثابة دعم للفاشية
04:16هكذا تحولت السجارة إلى رمز للحرية بعيدا عن أضرارها
04:21القسم الثالث تأثير هوليوود العالمي
04:24مع علمات التبغ أصبح المنتج يرمز إلى الحلم الأمريكي
04:28هذا التأثير كان قويا لدرجة أن الصين في عام 1995 قدمت شكوى رسمية
04:34بشأن العمال الذين كانوا يضحون بأجر يوم كامل
04:37فقط لشراء علبة سجائر أمريكية مستوردة سعيا وراء ذلك الحلم
04:41وبطبيعة الحال لم يكن هذا صدفة أبدا
04:44بين الثلاثينيات والخمسينيات تم التعاقد سرا مع اثنين من كل ثلاثة ممثلين في هوليوود
04:51للتدخين على الشاشة
04:52هذا التوظيف الخفي للمنتجات كان يعمل بشكل أفضل بكثير من الإعلانات العادية
04:57لأنه ببساطة كان يربط التدخين في العقل الباطن بالبطولة والتمرد والجاذبية الشديدة
05:03القسم الرابع
05:04الشيشة والمساحات الاجتماعية
05:06دعونا نغير الوجه قليلا نحو العالم الإسلامي في القرن السابع عشر
05:11لنرى كيف أعاد التبغ تشكيل الهياكل الاجتماعية هناك
05:15وأثار نقاشات كبرى غيرت وجه المجتمع
05:18لقد كان هناك نقاش حاد في الشرق الأوسط في القرن السابع عشر
05:22حل التبغ حلال أم حرام؟
05:25في البداية تمت مقارنته بالنبيذ المسكر
05:28ووصل الأمر إلى أن السلطان مراد الرابع أعدم حوالي خمسة وعشرين ألف مدخن في عام الف وستمائة وثلاثة وثلاثين
05:36ولكن رغم كل هذه الحملات القاسية نجت العادة بعناد ملحوظ
05:41وبحلول أواخر القرن اندمجت تماما في الحياة اليومية
05:45والسر هنا يكمن في طبيعة الشيشة الثقيلة
05:48على عكس السيجارة السريعة كانت الشيشة تتطلب وقتا طويلا وجلوسا مستقرا
05:54هذا الأمر حول المقاهي دون قصد إلى أولى المساحات العامة للنقاش السياسي وتشكيل الرأي العام والسمر
06:02بعيدا كليا عن سيطرة السلطين
06:04القسم الخامس الفخ النفسي
06:07نعود الآن إلى يومنا هذا
06:10بعد أن عرفنا كل هذه الحيال التاريخية والحقائق الطبية الموثقة
06:14كيف يقع العقل البشري في هذا الفخ
06:17دعونا ننتقل لنرى كيف يتطور هذا بيولوجيا
06:20إنها دورة غريبة فعلا
06:22الخطوة الأولى
06:24الاستهلاك يسبب الغثيان لأن الجسم يرفض السن بطبيعته
06:28الخطوة الثانية مع التكرار يبني الجسم قدرة على التحمل
06:33الخطوة الثالثة يبدأ الدماغ بإنشاء مستقبلات خاصة للنيكوتين
06:37وأخيرا الخطوة الرابعة يتشكل الاعتماد الكيميائي التام
06:42الجسم الذي كان يرفض المادة بقوة يصبح الآن معتمدا عليها حرفيا
06:47وما يزيد طيم بلا أن السرد الثقافي مستمر حتى اليوم عبر منصات البث
06:52تخيلوا أن 79% من البرامج الناجحة اليوم تعرض مشاهد تدخين
06:57مسلسل شهير مثل Stranger Things مثلا
07:00يعرض ملايين المشاهدين الشباب لمئات من مشاهد التدخين
07:04مما يعيد إنتاج نفس الجاذبية الثقافية القديمة باستمرار
07:08إذن أين يكمن الحلل لللغز؟
07:11إنه في مفهوم الإشباع الفوري
07:14لتوضيح ذلك لنتذكر تجربة المارشميلو الشهيرة لعالم النفس والتر ميشيل في ستينيات
07:20الفكرة هنا تتمحور حول الرغبة النفسية العميقة في تجربة المتعة دون أي تأجيل
07:26وهذا بالذات هو المفتاح النهائي لفهم استمرار هذه العادة
07:31إذن النقطة الحاسمة هنا هي أن القضية ليست فشلا طبيا على الإطلاق
07:36بل هي أن الدماغ البشري مبرمج لإعطاء الأولوية للمكافآت الفورية
07:41مثل تخفيف التوتر السريع
07:43متجاهلا العواقب المجردة والمؤجلة مثل السرطان أو الموت
07:47اللذة قصيرة المدى تنتصر دائما في العقل البشري على الواقع طويل المدى
07:53لأن العواقب تبدو بعيدة جدا
07:55وهذا يتركن أمام تساءل أخير
07:57في هذه المعركة النفسية الأزلية بين رغباتنا اللحظية وعواقبها المستقبلية الحتمية
08:03هل سيقدر البشر يوما ما قيمة البقاء المستقبلي ويقدمونه على متعة الإشباع الفوري؟
08:09سؤال يستحق الكثير من التأمل
08:11شكرا لكم على المتابعة