00:00أنت تعتقد أنك تعرف تاريخ مصر
00:02الحقيقة أن نصف ما تعلمته هو صمت متعمد
00:06التاريخ الذي بين يديك الآن ليس مجرد صفحات في كتاب مدرسي
00:11هو ساحة معركة تم فيها تزوير الهوية ومحو ملامح ملوك حكموا واد النيل بقبضة من حديد
00:19صمراء
00:19هل سألت نفسك يوما لماذا يوجد في السودان 255 هرما
00:25بينما لا تملك مصر سوى 118 فقط
00:29هذا الرقم ليس مجرد إحصائية عابرة
00:32هو دليل على حضارة تم تجاهلها
00:35لأنها لا تتناسب مع السردية التي وضعها المستشرقون في القرن التاسع عشر
00:39هناك سر مدفون تحت رمال جبل البركل في شمال السودان
00:43سر يتعلق بملوك لم يأتوا لغزو مصر
00:46بل جاءوا لاستعادتها من الضياع
00:48هؤلاء هم الفراعنة السود
00:51ملوك مملكة كوشي العظيمة
00:53الذين سيطروا على الإمبراطورية المصرية في لحظة ضعفها القاتلة
00:56لكن السؤال الذي سيظل يطاردك طوال هذا الحديث هو
01:00لماذا حاول العالم لألاف السنين
01:03إقناعك بأن هؤلاء الملوكة كانوا مجرد عابرين في تاريخ النيل
01:07في عام 744 قبل الميلاد
01:10كانت مصر تعيش فوضى عارمة
01:12انقسمت البلاد إلى دويلات صغيرة
01:15يحكمها أمراء يتصارعون على السلطة
01:18اختفت الهيبة
01:19تلاشت الوحدة
01:21وفي ذلك الوقت
01:23في عمق الجنوب
01:24في قلب ما نعرفه اليوم بالسودان
01:27كانت هناك قوة صاعدة تراقب المشهد بصمت
01:31ممكة كوش
01:33عاصمتها نبتة
01:35لم يكن الكوشيون غرباء عن الثقافة المصرية
01:39كانوا يعبدون الإله آمون
01:42يبنون المعابد
01:43يقدسون النيل
01:45لكنهم كانوا يمتلكون شيئا
01:48افتقده أمراء الشمال
01:50كانوا يمتلكون الإيمان المطلق
01:53بأنهم الحماة الحقيقيون
01:55لإرث الفراعنة الأوائل
01:57هل يمكنك تخيل شعور جندي كوشي
02:01يقف على حدود طيبة
02:03وهو يرى معبد الكارناك
02:05يدنس بصراعات داخلية
02:07في تلك اللحظة
02:09اتخذ الملك بعنخي قراره التاريخي
02:12بعنخي لم يكن مجرد محارب
02:15كان يؤمن أنه مبعوث من الإله آمون
02:19لتطهير مصر
02:20قاد جيشه نحو الشمال
02:22لم تكن رحلته مجرد غزو عسكري
02:26كانت طقصا دينيا طويلا
02:28أمر جنوده بالاغتسال في مياه النيل قبل المعركة
02:33الصلاة في المعابد كانت تسبق قرع الطبول
02:37هل كان بعنخي يحاول إثبات شرعيته كفرعون حقيقي
02:41أم كان يريد فقط حماية حدود مملكته الجنوبية
02:45هذا هو التساؤل الذي يجب أن يظل في ذهنك
02:49خاض معارك طاحنة في هرموبوليس ومنف
02:53سقطت الحصون واحدا تلو الآخر أمام بسالة الرمات الكوشيين
02:59هؤلاء الرمات الذين اشتهروا بدقة تصويبهم
03:03لدرجة أن العرب أطلقوا عليهم لاحقا
03:06رمات الحدق
03:08بعد النصر لم يقم بعنخي بإبادة خصومه
03:12بل جعلهم يركعون أمام عظمة آمون
03:16ثم فعل شيئا غريبا جدا
03:18عاد إلى عاصمته في السودان
03:21ترك مصر ليديرها حكام محليون تحت إشرافه
03:25لماذا ينسحب المنتصر بعد أن وصل إلى قمة المجد؟
03:30الإجابة تكمن في فلسفة القوة عند الكوشيين
03:34لم تكن الأرض هي الغاية بل كانت الهوية هي المبتغى
03:39لكن ابنه شباكا لم يكتفي بالرقابة من بعيد
03:43قرر أن ينقل العاصمة إلى منفى نفسها
03:46هنا بدأت الأسرة الخامسة والعشرون
03:49الأسرة التي وحدت وادي النيل من شلالات السودان حتى دلتا متوسط
03:55أنت الآن أمام إمبراطورية أفريقية خالصة
03:59حكمت بمزيج من القوة العسكرية المفرطة والولاء الديني العميق
04:04في هذه الفترة شهدت مصر نهضة معمارية لم ترها منذ قرون
04:09تم ترميم المعابد المتهالكة
04:12نقشت النصوص القديمة على حجر الشباك الشهير
04:16هذا الحجر الذي يحمل فلسفة الخلق في منف
04:19لو لا اهتمام ملوك كوش لضاع هذا الإرث للأبد
04:23هل تدرك المفارقة؟
04:25ملوك من عمق إفريقيا هم من أنقذوا الفلسفة المصرية القديمة من النسيان
04:30في تقدير الشخصي نحن لا نتعامل هنا مع احتلال أجنبي لمصر كما يروج البعض
04:36بل نحن أمام حالة استرداد
04:38إذا نظرت بعمق خلف العنوين التقليدية
04:41ستجد أن ملوك كوش كانوا يرون أنفسهم الورثة الشرعيين لحضارة النيل
04:47التي بدأت أصلا من الجنوب
04:48معظم الناس يتجاهلون حقيقة أن النيل يتدفق من الجنوب إلى الشمال
04:53وأن الحضارة سارت في نفس المسار
04:56هذا هو المكان التي تنهار فيه الرواية السائدة
04:59الرواية التي تحاول جعل الحضارة المصرية بيضاء أو منفصلة عن محيطها الإفريقي
05:05الحقيقة المرة التي قد تزعج البعض
05:08هي أن الفراعنة السود لم يقلد المصريين
05:12بل كانوا يمارسون أقدم طقوسهم
05:14التي ولدت في جبال النوبة قبل أن تعرف منف أو طيبة معنى التاج
05:19ثم جاء طهارقة أعظم ملوك هذه الأسرة
05:22اسمه محفور في النصوص العبرية وفي سجلات الآشوريين
05:26طهارقة بنى أكبر هرم في السودان في منطقة النوري
05:31جعل من إمبراطوريته قوة عالمية تنافس الآشوريين في بلاد الشام
05:37تخيل حجم التوتر الذي كان يعيشه العالم في ذلك الوقت
05:42القوة العسكرية الكوشية كانت هي العائق الوحيد أمام التوسع الآشوري الوحشي
05:48طهارقة كان يرسل جيوشه لدعم الممالك في فلسطين والقدس
05:53هل كانت هذه مجرد سياسة خارجية أم كان يحاول تأمين النيل من خطر قادم لا يرحم
06:00التوتر كان يزداد مع كل شروق شمس
06:04الصدام بين الفولاذ الآشوري والبرونز الكوشي كان حتميا
06:08هنا يبرز سؤال مركزي لماذا لم يصمد الكوشيون أمام الآشوريين في نهاية المطاف
06:15هل كان الخلل في التكتيك العسكري أم في التكنولوجيا
06:18الآشوريون استخدموا الحديد بكثافة بينما ظل الكوشيون متمسكين بتقاليدهم القتالية القديمة
06:26بعد سنوات من الحروب الطاحنة انسحب الكوشيون إلى الجنوب إلى مروي
06:31وهناك في قلب السودان بنوا حضارة جديدة دامت لأكثر من ستمائة عام بعد خروجهم من مصر
06:38حضارة مروي هي الفصل الذي يحاول الجميع تمزيقه من كتاب التاريخ
06:43هناك حكمت ملكات عظيمات يلقبنا بالكنداكات
06:47نساء قدنا الجيوش وواجهنا الرومان وجعلوا أغوستس قيصر يطلب الصلح
06:53أريدك أن تفكر في هذا الأمر جيدا
06:57إذا كان هؤلاء الملوك قد بنوا أهرامات أكثر من الفراعنة في مصر
07:02وطوروا لغة خاصة بهم المروية لم تفكر موزها بالكامل حتى اليوم
07:09فلماذا لا يزال العالم يطلق عليهم الفراعنة السود
07:14كأن لون بشرتهم هو الميزة الوحيدة
07:17الاستخدام المتكرر لهذا المصطلح فيه نوع من التنميط
07:22وكأننا نحتاج لتبرير وجودهم في التاريخ
07:26في رأي الساخر قليلا
07:28لو كان هؤلاء الملوك قد حكموا في أوروبا
07:31لكانت أفلام هوليوود تتحدث عنهم كل عام
07:35لكن لأنهم في إفريقيا
07:37ولأنهم يتحدثون الصورة الذهنية للفرعون الأبيض أو المتوسطي
07:43تم وضعهم في زاوية مظلمة من التاريخ
07:46أنظل إلى تماثيل طهارقة وتنوة أماني
07:49أنظل إلى ملامح القوة
07:51الأنف العريض
07:53البشرة الداكنة
07:54والتيجان التي تحمل ثعباني الكوبرى
07:57رمزا لتوحيد مصر وكوش
07:59هذه التماثيل تعرضت للتحطيم المتعمد
08:02بعد خروجهم من مصر
08:04الملك إبسيماتيك الثاني
08:06حاول محو أسمائهم من كل المعابد
08:09لماذا كل هذا الحقد التاريخي؟
08:11الجواب بسيط
08:13القوي لا يريد أحدا أن يتذكر أنه كان يوما ضعيفا
08:17واحتاج لمن ينقضه
08:18المصريون في ذلك الوقت أرادوا استعادة كبريائهم
08:22بمحو ذكر الملوك الذين جاءوا من الجنوب
08:25وأعادوا لهم النظام
08:26هل سألت نفسك يوما
08:28ماذا لو بقيت الأسرة الخامسة والعشرون في الحكم لفترة أطول؟
08:33هل كانت الخريطة الجينية والثقافية لإفريقيا ستتغير؟
08:37ربما كنا سنرى إمبراطورية إفريقية تمتد من البحر المتوسط
08:42حتى منابع النيل في إثيوبيا وأغندا
08:45إمبراطورية لا تعرف الحدود الوهمية التي وضعها الاستعمار
08:49ملوك كوش لم يكن مجرد حكام
08:52كانوا مهندسي بقاء
08:54حافظوا على جوهر الحضارة النيلية
08:57عندما كان الجميع مستعدا لبيعها للغزات
09:00إذا كان لديك الخيار للعيش في عصر طهارقة
09:03هل كنت ستختار أن تكون جنديا في جيشه العظيم؟
09:07أخبرني في التعليقات لماذا تعتقد أن التاريخ يصر على إخفاء عظمة مملكة كوش؟
09:12هذه القصة لا تنتهي بانسحاب الكوشيين إلى مملكة
09:16حيث صهر الحديد وبن المصانع وأذهل العالم القديم بقدراتهم التجارية
09:22إنهم يذكروننا بأن الهوية ليست لونا بل هي إنجاز وصمود
09:27التاريخ الذي يكتبه المنتصرون قد يخفي الحقيقة
09:30لكن الحجارة لا تكذب أبدا
09:32الأهرامات القابعة في رمال السودان تصرخ كل يوم
09:37بأن هناك ملوكا سمر البشرة حكم العالم بالعدل والقوة
09:42التاريخ لا يرحم الضعفاء ولا يحب الصامتين
09:46تذكر دائما أن ما تعرفه هو فقط ما سمح لك بمعرفته
09:51البحث عن الحقيقة هو مسؤوليتك أنت
09:55اشترك في القناة وفعل الجرس لتكون جزءا من هذه الرحلة
10:00لإعادة كتابة ما تم محوه
10:02الحقيقة دائما أعمق مما تراه العين
10:06وأحيانا تكون الحقيقة مدفونة تحت رمال الصحراء
10:10تنتظر من يملك الشجاعة لينبش عنها
10:14أنت الآن تملك المفتاح
10:16فلا تترك الباب مغلقا مرة أخرى
10:19لأنك الآن تدرك جيدا أن نصف ما تعلمته هو صمت متعمد
10:24ترجمة نانسي قنقر
Comments