00:00تخيل انك تقف في قلب المرتفعات الاثيوبية الوعرات حيث يلامس السحاب قمم الجبال الشاهقة وتشعر ببرودة الهواء التي تحمل انفاس التاريخ العريق
00:10هل كنت تعلم ان هناك امبراطورية افريقية منسية صنفها الفيلوسوف والانبياء القدماء كواحدة من الاعظم اربع قوى في العالم القديم بجانب روما وفارس والصين
00:23انها مملكة اكسومة التي حكمت طرق التجارة العالمية وسيطرت على ممرات البحر الاحمر لقرون طويلة قبل ان تبدلعها رمال الزمن وتتحول الى اسطورة غامضة
00:36انت الان في رحلة عبر الزمن لتعود الى الوراء اكثر من الفي عام لتشهد ولادة قوة لم تعرف الانكسار سهلة
00:45ابدأ بتأمل موقعك الجغرافي الفريد في منطقة القرن الافريقي حيث تلتقي الهضاب الاثيوبية بالسهول السحلية
00:53للبحر الاحمر
00:55هذه الارض لم تكن مجرد جبال صخرية
00:59بل كانت القلب النابض لشبكة تجارية عالمية ربطت بين الهندي في الشرقي والامبراطورية الرومانية في الغرب
01:07انت ترى القوافلة وهي تعبر الوديان العميقة محملة بالبخور واللبان والذهب والعاجي والزمرد
01:15ان سر قوة اكسوم الاولى يتمثل في قدرتها على ترويض هذه الطبيعة القاسية وتحويلها الى حصن منيع ومركز تجاري لا يمكن تجاوزه
01:27في بداتها التي تعود الى القرن الاول قبل الميلاد كانت اكسوم مجرد مجموعة من المشيخات الصغيرة لكنها سرعان ما
01:35اتحدت تحت قيادة ملوك طموحين ادركوا ان السيطرة على الموانئ تعني السيطرة على العالم
01:41تخيل ميناء ادوليس الشهير الذي كان يضج بالحياة ويستقبل السفن من كل حدب وصوب حيث كانت اللغات تمتزج في سوق
01:49واحد يعج بالتجار اليونانيين والمصريين والهندي
01:54لقد كانت اكسوم هي الجسر الذي عبرت عليه حضارات العالم القديم لتلتقي في افريقيا
02:00انظر الان الى العملات الذهبية التي يمسكها التجار في ايديهم وتأمل دقة صنعها وجمال تفاصيلها
02:07ان مملكة اكسوم كانت اول مملكة افريقية جنوب الصحراء تقوم بضرب عملتها الخاصة من الذهب والفضة والنحاس
02:16هذا لم يكن مجرد انجاز مادي بل كان اعلانا سياسيا صارخا عن السيادة والقوة الاقتصادية
02:25عندما تحمل عملة ذهبية اكسومية بين عصابعك فانت تحمل دليلا على نظام مالي متطور كان ينافس الدنار الرومانية
02:34والساسانية
02:35ملوك اكسوم نقشوا صورهم على هذه العملات باللغة الجعزية القديمة وباللغة اليونانية لضمان قبولها في الاسوأ
02:43الدولية
02:45انت تدرك الان ان هؤلاء الحكام لم يكنوا مجرد زعماء قبائل بل كانوا مهندسين لسياسات نقدية عالمية
02:53السيطرة على انتاج الذهب في اعالي النيل وعلى تجارة العاج مكنت اكسوم من بناء خزائن لا تنفد مما سمح لها بتمويل
03:02جيوش جرارة وحملات عسكرية توسعية شملت اجزاء واسعة من السودان الحالي وحتى اليمن
03:10في شبه الجزيرة العربية
03:11ان الثراء الفحش الذي عشته هذه المملكة لم يكن وليد الصدفة بل كان نتيجة رؤية استراتيجية جعلت من اكسوم
03:20الشركة التجارية المفضلة لروم البيزنطية في صراعها ضد الفرسي
03:25ارفع بصرك الان لتشاهد المعجزة المعمارية التي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا وهي المسلات الاكسومية العملاقة
03:34انت تقف امام قطعة واحدة من الغارانيت الصلب ترتفع في السماء لاكثر من ثلاثة وثلاثين مترا وتزن مئات الاطنان
03:43كيف استطاع هؤلاء المهندسون نحت هذه المسلات بدقة مذهلة لتشابه الابراج السكنية بنوافذها وابوابها الوهمية
03:51انها ليست مجرد احجار بل هي نصب تذكارية لمقابر الملوك تعكس اعتقادهم في الخلود وعظمتهم التي لا تنتهي
04:00تخيل الجهد البشرية الجبارة والتقنيات الهندسية المعقدة التي استخدمت لنقل هذه الكتل الضخمة من المحاجر
04:07البعيدة ورفعها لتستقر في مكانها لالاف السنين
04:11انت تشعر بضآلة حجمك امام هذه العظمة وتتساءل عن العلم الذي امتلكه هؤلاء الافارقة القدماء والذين سبقوا
04:19الكثير من الحضارات في فنون العمارة والبناء
04:22هذه المسلات هي لسان حال اكسوم الذي يخبرك بان القوة العسكرية والاقتصادية لا بد ان تترجم الى فن ومعمار
04:32يبقى شاهدا على مجد الامة حتى بعد زوالها
04:36بينما تسير في شوارع اكسوم القديمة ستلاحظ تحولا جذريا في هوية المملكة الثقافية والدينية
04:44انت الان في القرن الرابع الميلادي في عهد الملك القوي عيزانا
04:49هذا الملك الذي كان يلقب بملك الملوك لم يكتفي بتوسيع حدود امبراطوريته
04:55بل اتخذ قرارا غير مجرى تاريخ افريقيا
04:58للابد وهو اعتناق المسيحية كدين رسمي للدولة
05:02انظر الى حجر عيزانا الشهير الذي نقش بثلاث لغات هي الجعزية والسبائية واليونانية
05:09ليخلد انتصاراته وشكره لله
05:11لقد اصبحت اكسوم واحدة من اقدم الدول المسيحية في العالم
05:16وهذا التحول لم يكن دينيا فحسب بل كان تحالفا
05:20استراتيجيا مع الامبراطورية البيزانطية
05:25انت تشم الان رائحة البخور المنبعثة من كنيسة مريم العذراء بصهيونة
05:30وهي الكنيسة التي يعتقد الاثيوبيون حتى
05:33اليوم انها تضم تابوت العهد الاصلي الذي احضره منلك الاول ابن الملك سليمان ومالكة سبائن
05:40هذا الارتباط الاسطوري والديني منح ملوكا اكسوم شرعية مقدسة
05:46جعلت من مملكتهم حصنا للايمان وسط بحر منه
05:50التحولات السياسية
05:52ان الروحانية التي تغلغلت في نسيج المجتمع الاكسومي انتجت ادبا وفنا كنسيا فريدا
05:59وحافظت على هوية هذه المملكة دي كل محاولات الغزو الثقافي
06:05لا يمكننا الحديث عن اكسوم دون التطرق الى قوتها العسكرية الضاربة التي ارعبت جيرانها لقرون
06:11انت تشاهد الان الاساطيل البحرية الاكسومية وهي تمخر عباب البحر الاحمار لتأمين طرق التجارة من القلاصنة
06:19ولتوسيع نفوذ المملكة
06:21في القرن السادس الميلادي قاد الملك كالب حملة عسكرية ضخمة عبر البحر الى شبه الجزيرة العربية لنجدة
06:30المسيحيين في نجران وتأمين السيطرة على اليمن
06:33تخيل هيبة الجيش الاكسومي بفرسانه ومشاته وهو يفرض سيطرته على ضفتي البحر الاحمر
06:40مما جعل من هذا المر
06:42المائي بحيرة اكسومية بامتياز
06:45هذه القوة العسكرية كانت مدعومة بنظام اداري مركزي قوي
06:50يجمع الضرائب وينظم الموارد بكفاءة عالية
06:55ملوك اكسوم كانوا يدركون ان البقاء للاقوى وان الحفاظ على الازدهار التجاري يتطلب سيفا حادا يحميه
07:02ان تتلمس في كل ركن من اركان هذه الامبراطورية
07:06روح الانضباط والطموح الذي جعل من افريقيا لاعبا
07:10اساسيا السياسة الدولية الكبرى في العصور القديمة
07:15ولكن كما يقول التاريخ فان لكل سعود هبوطا ولكل فجر غروبا
07:20انت الان تشهد بدايات النهاية لهذه الامبراطورية العظيمة في القرن السابع الميلادي
07:27بدأت الامور تتغير عندما بدأت القوى الاسلامية الناشئة في التوسع والسيطرة على طرق التجارة في البحر الاحمر
07:35مما ادى الى عزل اكسومة عن شركائها التقليديين في المتوسط والمحيط الهندي
07:41انظر الى الموانئ التي كانت تعج بالحركة وهي تبدأ في الصمت والعملات التي بدأت تفقد قيمتها وبريقها
07:49العوامل البيئية ايضا لعبت دورا مدمرا حيث استنزفت الغابات وتدهورت تربة الاراضي الزراعية المحيطة بالعاصمة
07:58نتيجة لقرون من الاستغلال المكثف ان تتشعر بمرارة التراجع وهي تسيطر على ملامح السكان
08:06الذين بدأوا في الهجرة نحو المرتفعات الجنوبية الاكثر خصوبة وامانا
08:12وفي القرن العاشر الميلادي جاءت الضربة القاضية على يد المالكة الغامضة يوديت او هوديت التي قادت تمردا مدمرا
08:21احرقت فيه الكنائس والقصورة وقضت على ما تبقى من نفوذ سلالة ملوك اكسومة
08:27هذه النهاية المأساوية لم تكن مجرد سقوط لدولة بل كانت نهاية حقبة ذهبية من تاريخ افريقيا باكمله
08:38رغم سقوط المملكة وتلاشي قوتها السياسية الا ان روح اكسومة لم تموت تماما
08:45انت ترى تأثيرها في اللغة الجعزية التي لا تزال تستخدم في الطقوس الدينية وفي العمارة الفريدة للكنائس المنحوتة
08:53في الصخر في لالي بلا وفي التقاليد العريقة التي حافظ عليها الشعب الاثيوبي
08:58ارث اكسومة هو الذي منح اثيوبيا القدرة على الصمود والبقاء كدولة مستقلة ووحيدة في وجه الاستعمار في العصر
09:08الحديثة
09:10انت تدرك الان ان دراسة تاريخ اكسومة ليست مجرد تقليب في اوراق قديمة بل هي استعادة لكرامة قاررة باكملها
09:21واثبات بان افريقيا كانت وما زالت منبعا للحضارة والابتكار والقوة
09:27ان اكسومة تعلمنا ان العظمة تبنى بالانفتاح على العالم وبالاستغلال الامثل للموارد وبالابداع الذي يتحدى الزمن
09:34عندما تنظر الى المسلات التي لا تزال شامخة في مدينة اكسوم اليوم
09:40فانت لا تنظر الى مجرد احجار صمأة بل تنظر الى مجرد احجار مرآة تعكس قدرة الانسان على صنع المستحيل
09:49هذه المملكة التي ربطت بين القارات وغيرت مجرى التاريخ التجاري والديني تذكرنا بان الحضارة ليست حكرا على
09:57بقعة جغرافية معينة بل هي نتاج كفاح وارادة الشعوب
10:02انت الان جزء من هذه المعرفة وعليك ان تنشر قصة هذه الامبراطورية التي طالما تم تجاهلها في كتب التاريخ المدرسية
10:12لقد حان الوقت ليعرف العالم ان افريقيا كانت تضم امبراطورية لم تقل شأنا عن روما في قوتها ولا عن اليونان في قوتها
10:21حكمتها
10:23شاركنا رأيك في التعليقات
10:25هل تتفق مع هذه التحليلات
10:28هل كنت تعلم سابقا عن حجم القوة التي كانت تمتلكها مملكة اكسومة وكيف اثرت في العالم القديم
10:38نحن بانتظار قراءة وجهات نظركم ومناقشة هذه
Comments