00:00تخيل سمتاً مطبقاً يسود وادي الملوك في ذروة مجد الإمبراطورية المصرية العظيمة
00:05هل كنت تعلم أن العظمة التي تراها اليوم في المعابد الشامخة
00:10لن تبنى فقط بالعرق والكد
00:12بل بنيت أيضاً بروح التمرد والمطالبة بالعدل
00:17أنت الآن في مواجهة الحقيقة التي أخفتها جدران الزمن عن أول صرخة احتجاج عمالية
00:23سجلها التاريخ البشري في عام 1159 قبل الميلاد
00:29في قلب الصحراء القاحلة بمدينة طيبة القديمة وتحديداً في قرية دير المدينة
00:35كان يعيش نخبة من أمهر الفنانين والنحاتين والبنائين في العالم القديم
00:41هؤلاء الرجال لم يكونوا عبيداً كما قد تتصوروا
00:44بل كانوا موظفين رفيع المستوى في الدولة المصرية ينعمون بتقدير ملكي خاص
00:51كانت حياتك هناك لتبدو رغيدة ومستقرة
00:55فأنت تسكن بيتاً من الطوب اللبني وتعمل في حفر وتزيين المقابر الملكية
01:01التي ستضم أجساد الفراعنة الآلهة
01:04كانت الدولة تتكفل بكل احتياجاتك من الحبوب والزيوت والملابس
01:09وحتى الماء الصالح للشرب الذي كان ينقل خصوصاً إليك
01:14لكن في العام التاسع والعشرين من حكم الفرعون رمسيس الثالث
01:19بدأ كل شيء يتغير وبدأت خيوط الأزمة تنسج حول أعناق
01:24العمال الذين بنوا مجد مصر
01:27كانت مصر في ذلك الوقت تواجه تحديات جسيمة لم تشهدها من قبل
01:33الامبراطورية التي كانت تسيطر على الشرق الأدنى
01:36بدأت تعاني من آثار الحروب المنهكة ضد شعوب البحر الغازية
01:41هذه الحروب استنزفت خزائن الدولة وأنهكت مواردها الزراعية
01:46يضاف إلى ذلك ظاهرة جوهرية أثرت على المحاصيل
01:50وهي التغير المناخي الذي أدى إلى انخفاض فيضان النيل لسنوات متتالية
01:56حين تمشي في شوارع طيبة في ذلك الزمان
02:00ستشعر بحالة من القلق تسيطر على الوجوه
02:04الأسعار ارتفعت بشكل جنوني والفساد بدأ يتغلغل في الجهاز الإداري للدولة
02:10المسؤولون المحليون الذين كان من المفترض أن يوزع الجرايات الشهرية على العمال
02:16بدأوا في اختلاس أجزاء منها لصالحهم الخاص
02:20هذا هو المسرح الذي أعد لأول صدام بين السلطة والعمال
02:25في الشهر الثاني من فصل الشتاء وفي اليوم العاشر منه نفد صبر العمال تماما
02:30تخيل لو أنك مكان أحدهم وقد انقضت ثمانية عشر يوما على موعد استلام حصتك من القمح والشعير
02:37واطفالك في البيت يصرخون من الجوع
02:41لم يكن أمام العمال خيار سوى اتخاذ خطوة لم يجرؤ أحد عليها من قبل
02:47وضعوا أدواتهم جانبا وتوقفوا عن النحط في صخور الوادي المقدس
02:52خرجوا في تظاهرة سلمية ضخمة واتجهوا نحو المعابد الجنائزية الكبرى للمطالبة بحقوقهم
03:00كانت هذه اللحظة هي الشرارة الأولى التي غيرت مفهوم العلاقة بين العامل وصاحب العمل
03:08العمال لم يذهبوا للسرقة أو النهب بل ذهبوا ليقولوا نحن جائعون
03:13عندما وصل العمال إلى معبد الملك تحت موسى الثالث جلسوا هناك في اعتصام مفتوح
03:19كان مشهدهم مهيبا وهم يفترشون الأرض خلف أسوار المعبد الضخمة
03:25المسؤولون في المعبد أصيبوا بالذهول والارتباك
03:27فهم لم يعتادوا على رؤية الرعية تطالب بحقوقها بهذه الطريقة المنظمة
03:34حاول بعض المسؤولين تهدئة العمال بوعود واهية
03:39لكن العمال صرخوا بلسان واحد قائلين
03:43إننا جئنا إلى هنا بسبب الجوع والعطش
03:48ليس لدينا ملابس وليس لدينا دهان وليس لدينا سمك وليس لدينا خضروات
03:54أرسلوا إلى الفرعون ربنا طيب وأرسلوا إلى الوزير لكي يعطونا قوتنا
03:59هذه الكلمات التي سجلها الكاتب آمون نخت على بردية تورين
04:03هي شهادة حية على أول مطالب نقابية في التاريخ
04:07استمر الاعتصام لعدة أيام وتطورت الأمور بشكل دراماتيكي
04:12في اليوم التالي انتقل العمال إلى معبد الرمسيسيوم وهو المعبد الجنائزي العظيم للملك رمسيس الثاني
04:19هناك قاموا بإغلاق الأبواب ومنعوا أي شخص من الدخول أو الخروج
04:23كان هذا الفعل بمثابة تحدي مباشر للسلطة الدينية والسياسية
04:28حاول المسؤولون صرف بعض الغلال لهم لتهدئة روعهم
04:32لكن الكميات كانت ضئيلة جدا ولا تكفي لسد حاجة مئات الأسر
04:36هنا أدرك العمال أن الحل لا يكمن في المسكنات بل في تغيير النظام الإداري الفاسد الذي يسرق قوتهم
04:44لقد اكتشفت في ذلك اليوم أن قوتك تككمن في اتحادك مع زملائك
04:48وأن صوتك الجماعية أعلى من أي جدار من الحجر
04:52الدروس المستفادة من هذا الإضراب تتجاوز مجرد المطالبة بالطعام
04:57لقد أثبت هؤلاء العمال أن لديهم وعي سياسيا واجتماعيا متقدما
05:03فهم لم يهاجموا الفرعون بشكل مباشر بل وجهوا اتهاماتهم للمسؤولين الفاسدين والوزير المسؤول عن التوزيع
05:11كانوا يعرفون القوانين والأعراف المتبعة واستخدموها لصالحهم
05:16حتى عندما حاول حراس الجبانة الملكية إرهابهم ظل العمال متمسكين بموقفهم
05:22المذهل في الأمر أنهم نجحوا في نهاية المطاف في إجبار الدولة على الاعتراف بحقوقهم
05:29وصرف كامل مستحقاتهم
05:31المتأخرة بل وتمت محاسبة بعض المسؤولين الفاسدين الذين ثبت تورطهم في اختلاس حصص العمال
05:38فكر في التبعات النفسية والاجتماعية التي تركتها هذه الحادثة
05:43لأول مرة يدرك الإنسان البسيط
05:47أن العمل حق يقابله أجر وأن الدولة ليست مجرد سلطة مطلقة
05:52بل هي كيانا متعقد مع شعبه لتوفير الحياة الكريمة
05:56هذا الوعي هو الذي مهد الطريق لاحقا لتطور القوانين العمالية في العصور الحديثة
06:03أنت اليوم عندما تطالب بحقك في إجازة أو تأمين صحي أو راتب عادل
06:08فإنك تسير على خطى أولئك العمال الشجعان
06:11الذين وقفوا في حرارة شمسي طبت قبل أكثر من ثلاثة ألاف عام
06:16ليقولوا لا للظلم
06:18إن قصة إضراب عمالي دير المدينة ليست مجرد حدث تاريخي عابر
06:24بل هي ملحمة إنسانية تتكرر في كل زمان ومكان
06:29هي تذكرك بأن كرامة الإنسان مرتبطة بلقمة عيشه
06:34وأن الإبداع الفني الذي نراه في المقابر الملكية لم يكن
06:39ليكون لولا تضحيات هؤلاء العمال
06:41لقد كانت هذه الحركة العمالية سببا في استقرار العمل في وادي الملوك
06:47لفترة أطول وضمنت استمرار تشهيد المعالم
06:50التي ننبهر بها اليوم
06:52لكنها في الوقت نفسه كانت نذيرا بضعف السلطة المركزية في نهاية الدولة الحديثة
06:58حيث بدأت الأزمات الاقتصادية
07:00والاجتماعية تنهش في جسد الإمبراطورية العظيمة
07:04عزيزي المشاهد أن تتأمل عظمة الأهرامات والمعابد
07:09لا تنسى أبدا أن خلف كل حجر قصة كفاح
07:12خلف كل نقش ملون حكاية رجل كان يخشى على جوع أطفاله
07:18التاريخ ليس مجرد أسماء لملوك وحروب
07:21بل هو سير الشعوب التي كافحت من أجل البقاء والكرمة
07:25لقد علمنا العمال المصريون
07:28القدماء أن الحق لا يضيع ما دام وراءه مطالب
07:32وأن التنظيم والوضوح في الأهداف هما
07:35السلاح الأقوى في مواجهة أي فساد
07:38كانت تلك الصرخة الأولى في طيبة هي البذرة التي نبتت منها
07:42فكرة العدالة الاجتماعية في الفكر البشري
07:45إن تفاصيل هذا الإضراب تظهر لنا أيضا مدى تعقيد الجهاز الإداري في مصر القديمة
07:51كان هناك سجلات دقيقة للحضور والغياب وأسباب التوقف عن العمل
07:56البردية التي سجلت هذه الأحداث
08:00وتعرف ببردية الإضراب والموجودة حاليا في متحف تورينا بإيطاليا
08:05هي وثيقة قانونية وتاريخية لا تقدر بثمن
08:10هي تصف بدقة أسماء القادة العماليين والخطوات التصعيدية التي اتخذوها
08:16هل يمكنك تصور أن هناك وثيقة من عام 1159
08:22قبل الميلاد تتحدث عن مفاوضات الرواتب والاحتجاجات
08:27هذا يدلك على مدى تحضر المجتمع المصري القديم
08:32وامتلاكه لمنظومة مدنية سابقة لعصرها بألاف السنين
08:37في الختام يبقى السؤال الذي يطرح نفسه دائما
08:41هل تغيرت مطالب العمال عبر العصور؟
08:44أم أن الإنسان لا يزال يكافح من أجل نفس الاحتياجات الأساسية
08:49وهي العدل والكرامة والعيش الكريم؟
08:52كأن قصة عمال دير المدينة هي مرآة لنا جميعا تخبرنا
08:57أن الماضي ليس بعيدا عننا كما نظن
09:00وأن صراعاتنا اليوم هي
09:02امتداد لصراعات الأجداد
09:04لقد بنوا هؤلاء العمال مقابر الملوك
09:08ولكنهم بنوا أيضا أول لبنة في صرح حقوق الإنسان
09:12شاركنا رأيك في التعليقات
09:14هل تتفق مع هذه التحليلات؟
09:18وهل تعتقد أن وعي العمال في مصر القديمة
09:21كان هو السبب الحقيقي وراء استمرار
09:24عضارتهم لآلاف السنين؟
09:27نحن بانتظار قراءة وجهات نظركم ومناقشة هذا الجانب المثير
09:32نحن بانتظار قراءة وجهات نظركم ومناقشة هذا الجانب المثير
Comments