Passer au playerPasser au contenu principal
  • il y a 2 jours
الأستاذ يغادر القسم، لكن القسم لا يغادره!

هل يمكن للإنسان أن يغادر مكان عمله، دون أن يغادره ذلك المكان؟ يبدو السؤال غريبًا للوهلة الأولى، لكنه يصبح أكثر عمقًا حين يتعلق الأمر بالأستاذ، ذلك الذي يقضي سنوات طويلة من عمره بين السبورة والتلاميذ والدفاتر والامتحانات، حتى تتحول مهنته، مع مرور الزمن، من مجرد وظيفة يؤديها إلى جزء من شخصيته وطريقة تفكيره ونظرته إلى العالم.

قد يغادر الأستاذ القسم بمجرد انتهاء الحصة، ويعود إلى بيته، أو يجلس مع أصدقائه، أو يتجول في الشارع، لكنه يظل، بطريقة أو بأخرى، محاطًا بعالم المدرسة. فإذا قرأ لافتة تتضمن خطأ لغويًا، انتبه إليه فورًا. وإذا سمع شخصًا يخطئ في التعبير، وجد نفسه يصحح العبارة في ذهنه، وربما بادر إلى تصحيحها بصوت مسموع. وإذا رأى مجموعة من الناس يتحدثون جميعًا في الوقت نفسه، فقد يستيقظ داخله ذلك الصوت المألوف الذي يطالب بالنظام والانضباط!

قد تبدو هذه المواقف مضحكة، لكنها تكشف عن جانب عميق من العلاقة بين الإنسان ومهنته. فالأستاذ لا يكتسب خلال سنوات التدريس معارف ومهارات فحسب، بل يطور أيضًا عادات ذهنية وسلوكية تتشكل بفعل التكرار والممارسة اليومية. إن الاعتياد على شرح الأفكار، وتصحيح الأخطاء، وتنظيم النقاش، وطرح الأسئلة، ومراقبة مدى الفهم، يمكن أن يجعل بعض هذه السلوكيات حاضرة حتى خارج فضاء المدرسة.

ولعل أكثر ما يميز الأستاذ هو أن عقله قد يستمر في أداء مهمته حتى عندما لا يكون مطالبًا بذلك. فهو يميل إلى التحليل والتفسير، ويبحث عن أسباب الأخطاء، ويحاول تبسيط الأفكار المعقدة، وقد يجد نفسه يشرح مسألة بسيطة لأصدقائه كما لو كان أمام فصل دراسي كامل. وليس بالضرورة أن يكون ذلك تكلفًا أو رغبة في فرض المعرفة على الآخرين؛ فقد يكون ببساطة نتيجة سنوات من ممارسة مهنة تقوم في جوهرها على التواصل والتوضيح والتوجيه.

غير أن الأمر لا يتعلق بالأستاذ وحده. فالطبيب قد يرى العالم من زاوية صحية، والمهندس قد يلاحظ تفاصيل البناء التي لا ينتبه إليها غيره، والمحامي قد يتوقف عند دقة الكلمات والحجج، والصحفي قد يبحث تلقائيًا عن الخبر في تفاصيل الحياة اليومية. فالمهن التي نمارسها طويلًا لا تستهلك وقتنا فقط، بل تترك بصمتها على طريقة إدراكنا للأشياء. ومع ذلك، تظل تجربة الأستاذ مميزة في جانب منها، لأن عمله لا ينتهي دائمًا عند حدود المعرفة، بل يمتد إلى التعامل مع الشخصيات والسلوكيات ومحاولة التأثير في الآخرين.

لكن لهذه العلاقة وجهًا آخر يستحق التأمل. فحين تصبح المهنة جزءًا كبيرًا من هوية الإنسان، قد يجد صعوبة في الفصل بين دوره المهني وحياته الخاصة. وقد يشعر بعض الأساتذة بأنهم مطالبون دائمًا بالتصحيح والتوجيه وإبداء الرأي، حتى في المواقف التي لا تحتاج إلى تدخلهم. وقد يتحول الحرص على النظام، الذي يكون ضروريًا داخل الفصل، إلى عادة يصعب التخلص منها خارجه. وهنا تظهر أهمية التوازن بين الاعتزاز بالمهنة واحترام اختلاف السياقات والعلاقات الإنسانية.

وتزداد هذه المسألة وضوحًا عند التقاعد. فبعد سنوات طويلة قضاها الأستاذ في استقبال التلاميذ، وتحضير الدروس، وتصحيح الفروض، ومتابعة النتائج، يجد نفسه فجأة أمام إيقاع جديد للحياة. قد يغادر المؤسسة نهائيًا، لكنه يحتفظ بذكرياتها في ذاكرته، وبأصوات التلاميذ في وجدانه، وبالرغبة في الشرح والتوجيه في سلوكه اليومي. وربما يلتقي تلميذًا سابقًا في الشارع، فيكتشف أن سنوات الدراسة انتهت، لكن أثرها لا يزال حاضرًا في حياة الطرفين.

Catégorie

📚
Éducation

Recommandations