00:00الحكاية بدأت في سنة 1936 في عز الشمس الحارقة بمنطقة خوجو ترابو على أطراف بغدر
00:07العمال هناك ما كانش في خيالهم إنهم حيلاءوا حاجة تغير نظرتنا للتاريخ
00:13كل همهم كان حفر خط سكة حديد جديد
00:16وسط التراب والعرق الفأس خبطت في جسم صلب
00:20ولما بدأوا ينفضوا الرمل ظهرت قدامهم جرة فخار صغيرة
00:25لونها أصفر باهت طولها حوالي 13 سنتي
00:29يعني في حجم كف الإيد تقريبا
00:31لأول وهلة الجرة كانت تبان عادية جدا
00:34مجرد وعاء طيني بسيط من النوع اللي كان منتشر في العراق زمان
00:38وتحديدا في العصر البرسي من حوالي 2000 سنة
00:42العمال اتعاملوا معاها في الأول كالوقية أثرية روتينية
00:46ما كانش فيها نقوش مذهبة ولا رسومات فخمة تخلي حد يشك إنها بتخبي سر عظيم
00:52ما كانش فيه بريق الدهب اللي بيخطف العين
00:55لكن كان فيه تأفيلة غريبة ومحتويات ما كانتش تشبه أي حاجة شافوها قبل كده في المواقع الأثرية
01:02الجرة دي اتنقلت للمتحف العراقي مع مجموعة من المكتشفات التانية
01:07وهناك بدأت الأسئلة الحقيقية تظهر
01:10كانتش مجرد فخار للزينة أو الحفز الحبوب
01:13كان فيه تصميم هندسي دقيق مستخبي جوة طين الأصفر ده
01:17تصميم بيوحي إن اللي صنعها كان قاصد يعمل جهاز ليه وظيفة محددة
01:22مش مجرد وعاقل التخزين
01:24ومن هنا بدأ أكبر لغز علمي في تاريخ الأثار العراقية
01:28لغز هيحط العلم الحديث في مواجهة مع زكاء القدماء
01:32والموضوع أخد شكل تاني خالص لما الجرة دي وصلت إيد فيلهيم كونيك في المتحف
01:37في سنة 1938 كونيك بدأ يفحص الجرة دي وما كانش بيبص على شكلها الخارجي بس
01:44هو قرر يفكك اللغز اللي مستخبي جوة الفخار
01:47وهنا كانت المفاجأة اللي ما كانش يتوقعها أبدا
01:50جوة الجرة لقى أستوانة مصنوعة من النحاس النقي طولها حوالي 10 سنطي
01:56الاستوانة دي ما كانتش مجرد قطعة معدن محطوطة بالصدفة
02:00دي كانت متأفلة من تحت بقرص حاس وملحومة بدقة بسبائك من الرصاص والقصدير
02:06يعني اللي عملها كان عنده مهارة حدات شاطر جدا
02:10وعارف هو بيعمل إيه
02:12والاستوانة دي كانت متسبتة في قاع الجرة بطبعة سميكة من القار أو البيتومين
02:18اللي هو الزفت الأسود اللي بنشوفه في رصف الطرق النهاردة
02:21لكن الجزء اللي حير العلماء أكتر كان ساق من الحديد طولها حوالي 7 سنطي
02:27محطوطة جوه الاستوانة النحاسية دي
02:30الساق دي كانت متعلقة في النص بالزبط ومش لمسة جدران النحاس
02:35وكأن فيه هندسة مقصودة عشان المادتين ما يتفعلوش مع بعض بشكل مباشر
02:40وأهم ملاحظة سجلها كونج
02:42إن الساق الحديدية دي كانت متأكلة ومصدية بشكل يوحي
02:46إنها تعرضت لحم أو مادة كيميائية قوية أكلت في المعدن دا مع الوقت
02:51وعلشان يضمنوا إن المكونات دي تفضل سبتة ومحمية من الهوى
02:55المصمم استخدم سدادة تانية من القار في فتحة الجرة من فوق
02:59القار هنا بيقوم بدور العزل
03:01بيقفل الجهاز دا بإحكام وبيفصل بين الحديد والنحاس
03:05لما تحط المكونات دي جنب بعض
03:07نحاس وحديد ومادة عزلة وفراغ في المص ممكن يتملي بسائل حمضي
03:12زي عصير الليمون أو الخل
03:14الصورة بتبدأ تترسم في خيال أي حد بيفهم في العلم
03:17كونج وهو بيبص للتصميم دا
03:20ما كانش شايف مجرد فخار قديم من العصر البرثي
03:23المكونات دي لفتت نظر كونج لحاجة بنشوفها كل يوم في حياتنا الحديثة
03:28وعشان كده كونج اللي كان وقتها مدير المتحف الوطن العراقي
03:32نشر ورقة بحثية كانت هي الشرارة اللي بدأت الجدل كله
03:35هو ما كانش شايف القطعة دي مجرد فخار قديم لتخزين بخور أو توابل
03:40زي ما كان أغلب زميله فاكرين
03:41هو كان بصص لها كلغز تقني محتاج تفسير مختلف تماما عن السائد
03:46لما كونج درس تركيبة الجرة الحديد مع النحاس مع مدة القار العازلة
03:51دماغه راحت فورا للخلية الجالفانية
03:54ودي ببساطة هي المبدأ العلمي لأي بطارية بنستعملها النهاردة
03:59نقطة هنا إن التاريخ العلمي المسجل بيقول
04:01إن المبدأ دا اكتشفوا لويجي جالفاني وأليساندرو فولتا في أواخر القرن الثمنتاشر
04:07لكن كونج كان بيطرح احتمال مختلف
04:10إن الناس في عهد الدولة البرثية يعني من حوالي ألفين سنة
04:14عارفوا السر دا واستخدموه قبل أوروبا بقرون
04:17طبعا الكلام دا واجه انتقادات كتير
04:20والعلماء سألوا سؤال بديه
04:22لو دي بطارية فعلا كانوا بيشغلوا بيها إيه؟
04:25ما كانش فيه لمبات ولا أجهزة محتاجة شحن
04:28كونج كان محضر رده
04:29وطرح فرضية بخصوص عملية الطلاق بالكهرباء أو الإلكترو بلايتين
04:34كونيج لاحظ إن فيه قطع عثرية ومجوهرات فضية قديمة
04:38متغطية بطبق الدهب رفيعة كدا ومنتزمة
04:42لدرجة إنه استبعد إنها تكون تعملت بالطريقة التقليدية
04:45اللي هي الغمسة في دهب سايح
04:47فتخيل إن الصاغة زمان كانوا بيوصلوا مجموعة من جرار بغداد دي بعضها
04:51عشان يولدوا تيار كهربي ضعيف
04:53يكون كافي إنه ينقل جزيئات الدهب ويطل بيها الفضة بدقة عالية
04:58التفسير دا ما كانش مجرد محاولة الفهم جره
05:01دا كان محاولة لإعادة تقييم قدرات الناس في العصور دي
05:04وإن فهمهم للكيميا كان أعمق بكتير من مجرد صدفة
05:08النظرية كانت غريبة وجريئة
05:10وعشان كده كان لازم حد يحاول يخرجها من الورق ويختبرها بشكل عملي
05:15وفعلا في سنة 1940
05:18مهندس كهرباء في شركة جينرال إلكتريك اسمه ويلارد جري
05:21قرر ما يعتمدش على الكلام النظري بس
05:24ونازل بالنظرية دي الأرض الواقع
05:26جراي بنى نسخة مطبقة تماما للمواصفات اللي لقاها كونيج
05:29بس وجهته مشكلة منطقية
05:31ايه هو السائل اللي كان بيملى الجرة عشان يكمل الدايرة
05:35كانش فيه أحماض كيميائية متطورة وقتها
05:38فاستخدم أكتر حاجة كانت متاحة لأجدادنا في البيئة دي
05:41عصير اللامون أو الخل
05:44وبمجرد ما صب العصير دو النسخة لصناعها
05:46الجرة بدأت تتكلم بلغة تانية خالص
05:49المؤشر سجل طيار كهرابي حقيقي
05:51فولتية راوحت ما بين نص فولت لحد اثنين فولت
05:54الرقم ده بالنسبة لنا النهاردة يدوب ينور لمبة صغيرة أو يشغل ساعة
05:59بس بالنسبة لواحد عايش من 2000 سنة
06:01ده كان اكتشاف مزهل لو عارف يستغله
06:04الموضوع مخلصش عند جراي
06:06السنين عدت لحد ما فريق برنامج ميث باسترز الشهير
06:09قرروا يعيدوا الاختبار ده باسلوبهم الخاص وعلى نطاق أوسع
06:13عاملوا كذا نسخة من الجرار
06:15واستخدموا حمض الليمون كعامل محفز
06:17والنتيجة كانت مدهشة
06:20مش بس قدروا يولدوا طيار
06:21لا ده كمان استخدموا البطاريات البدائية دي
06:25فعملية طلاق كهرابي حقيقية
06:27وقدروا يطلق قطعة معدنية بطبقة رقيقة من الدهب فعلا
06:31حتى انهم وصلوا مجموعة جرار ببعضها
06:34وقدروا يخلوا حد من المزيعين يحس بلاسعة كهرباء وضع في ايديه
06:38كدليل ان الطاقة دي موجودة وملموسة
06:41كل الخطوات دي اثبتت حاجة واحدة وبشكل قاطع
06:44التصميم ده ينفع وبكل كفاءة انه يشتغل كبطارية كيميائية
06:49لكن هنا العلم بيعلمنا التواضع
06:51لان كون الشيء ينفع يكون بطارية
06:54مش معناه بالضرورة ان ده كان استخدامه الوحيد
06:57او ان الناس وقتها كانت فهمة يعني ايه طيار وايونات
07:00ومن هنا بدأت تظهر فجوات وتساؤلات منطقية
07:04خلت الحكاية كلها تتهز
07:06المشكلة الكبيرة بقى
07:08واللي بتخلي اي مهندس او عالم اثار يهرش في دماغه وهو بيفكر في الموضوع
07:12هي الغيابة التام لاي وسيلة توصيل
07:15احنا بنتكلم عن بطارية
07:17يعني لازم يكون فيه اسلاك
07:19موصلات او حتى اي جهاز بسيط بيشتغل بالكهرباء دي
07:22الحقيقة ان الموقع اللي تلاقيت فيه الجرة
07:25ما كانش فيه ولا فانتوفة سلك نحاس
07:28ولا اي اثر لمعدات طلاق بالكهرباء او مصابيح بدائية
07:32العلم ما بيعتمدش على الصدفة
07:35وصعب جدا نصدق انهم اخترعوا البطارية
07:38ونسيوا يخترعوا السلك اللي بينقل طقت
07:40النقطة التانية ودي اللي بتعتبر القضية لنظرية الكهرباء
07:44هي سدادة القار او الزفت اللي كانت افلى الجرة
07:47السدادة دي كانت مغطية الاسطوانة النحاس تماما
07:50وافلى الفوها باحكام شديد
07:52لو دي بطارية الكهرباء هتخرج منين
07:55مفيش اي فتحة لمرور سلك
07:58وده معناه انك عشان تستخدم البطارية دي
08:01لازم تكسر الختم بتاعها كل مرة
08:03وده منطقيا بيبوز فكرة انها اداة عملية للاستخدام المتكرر
08:08القار هنا ما كانش عازل كهربائي بالمعنى الحديث
08:11هو كان مجرد مادة سد واحكام
08:14زي ما بنقفل البرطمانات النهاردة عشان نحمل لجوها
08:17لما وسعنا دائرة البحث وبصينا للي تلاقى في مدن اثرية قريبة
08:22زي سلوقية وتسيفون
08:23الصورة بدأت توضح اكتر
08:25هناك لقوا جرار تانية طبق الاصل من جرد بغداد
08:29ولما العلماء فتحوها ملقوش شرارة كهرباء
08:32لقوا بقايا متحللة لورق بردي ولفائف جلدية
08:35اتطبح ان الاستوان النحاس دي ما كانتش يقود بكهربائي
08:39دي كانت مجرد كافر او غلاف حماية
08:42بيتحط جواها الورق المهم عشان يحميه من الرطوبة والارضة
08:45والقار كان هو القفل اللي بيضمن ان مفيش زرة هوا او مية تدخل تبوز المخطوطات دي
08:51احنا هنا قدام زكاء هندسي فعلا
08:54بس زكاء موجه للحفظ والارشفة مش لتوليد الطاقة
08:58القدماء كانوا بيخافوا على سجلاتهم وتاريخهم
09:01فعملوا خزنة بدائية ومحكمة بتعيش الاف السنين
09:04بس السؤال هنا
09:06لو ما كانتش بطارية
09:08ايه اللي يخلي حد يتعب نفسه ويعمل التركيبة المعقدة دي من نحاس وحديد وقار
09:13عشان شوالة ورق
09:14المنطق التاريخي بيقول ان الجرة دي كانت كابسولة زمن مش محطة كهرباء
09:20الفكرة البساطة ان اللفائف القديمة والرقوق المصنوعة من جلود الحيوانات
09:25كانت بتتحفظ بانها تتلف حوالين ساق من المعدن
09:29والحديد هنا كان هو القلب اللي بيتلف عليه المخطوط عشان يفضل مفروض ومحمي
09:34اما الاستوان النحاس اللي برا فدي كانت الغلاف الواقي
09:38الدرع اللي بيحمي الكلام المكتوب من الرطوبة ومن الارضة
09:42اللي ممكن تاكل تاريخ كامل في ايام
09:44طيب والاثار بتاعة التآكل اللي كونك شافها وافتكر انها بسبب حمض الليمون او الخل
09:50العلم الحديث عنده رد ابسط بكتير واوطع
09:53لما المخطوطات دي بدأت تتحلل مع مرور الاف السنين
09:56تلعت احماض عضوية طبيعية نتيجة تحلل الالياف والجلود
10:00الاحماض دي لما تحبست جوه الجرة المتغلفة بالقار
10:04اتفعلت مع النحاس والحديد
10:06وعملت نفس شكل الصدق الكيميائي اللي بيحصل في البطاريات
10:09يعني التفاعل حصل فعلا
10:12بس دا كان نتيجة جانبية لموت المخطوطة
10:14مش هدف مقصود لتوليد طاقة
10:16التفسير دا هو الاقوى علميا
10:18لاننا لقيه لا في مدينة سالوقية القريبة جرار شبهها بالزبط
10:22وكان لسه فيها بقايا من اللفائف اللي بنحكي عنها
10:25ورغم ان الادلة بتميل بقوة الفكرة وعائل حفظ
10:28الا ان الاسم اللي لزق فيها في كتب التاريخ والمتاحف
10:31لسه هو بطارية بغداد
10:33كأن العالم مش عايز يتخلى عن الأسطورة
10:36ويفضل يسأل
10:37هل فعلا كان فيه تكنولوجيا ضائعة
10:39احنا مش فاهمينها
10:40في النهاية
10:42لغز بطارية بغداد
10:43بيعلمنا ان الحقيقة في التاريخ
10:45مش دايما هي اللي بنتمنها
10:47او بنرسمها في خيالنا
10:48الرحلة بدأت بصدمة
10:50وتوقعات اننا لقينا تكنولوجيا سبق عصرها بألاف السنين
10:54لكن مع الوقت
10:55الادلة العلمية والمقارنات مع لا اثرية تانية
10:59رجحت كافة وعاء المخطوطات
11:01الدرس الحقيقي هنا
11:02هو احترام الدليل المادي
11:04فوق اي رغبة في الاثارة
11:06وحتى لو ما كانتش بطارية فعلا
11:08فهي لسه قطعة عبقرية
11:10بتورينه زي الانسان القديم
11:12فكر في حماية تراثه وعلمه
11:14بأدوات بسيطة لكن هندسية وزكية ددا
11:17دلوقتي الدر عليكم
11:19بعد ما سمعت القصة وشفت الادلة من النحيتين
11:22هل لسه متمسكين بفرضية
11:24الكهرباء القديمة
11:25ولا اقتنعت انها مجرد كابسولة زمن للمخطوطات
11:29شاركونا برأيكم وتوقعاتكم
11:31في التعليقات هنا في قناة
11:32غرائب حول العالم التاريخي
Comments