00:00وسط الغابات الكثيفة في شمال الكنغو الرطوبة عالية جدا وما فيش اي صوت غير حشرات الغابة وحركة فروع الشجر
00:08في المكان المعزول ده كان فيه ممر هبوط طويل وممهد من الخرصانة المتينة
00:14فجأة بيشق هدوء المكان صوت محركات طيارة ضخمة
00:18الطيارة دي مش طيارة عادية دي الكنكورد الفرنسية الاسرع من الصوت
00:23وهي بتنزل ببطء وتثبت عجلتها على الممر الطويل ده وسط الشجر الكثيف
00:29الباب بيتفتح وبيبدأ ينزل منها ركاب بملابس باريسية أنيقة جدا
00:34وشيلين شنط سفر من مركات عالمية فخمة
00:37بمجرد ما رجليهم بتلمس نحاية السلم بيلاءوا نفسهم قدام أرض طينية رطبة
00:42وعلى بعض خطوات بسيطة واقفين سكان القرية الأصليين بهدوء وبأكسادهم النحيفة
00:48بيبصوا للطيارة والناس اللي نزل منها بزهول واستغراب شديد
00:52المشهد ده ما كانش لقطة من فيلم خيال علمي
00:55ده كان واقع بيتكرر بانتصام في قرية صغيرة ومعزولة اسمها غابة دولت
01:00ممر الطيران ده اتكلف ملايين الدولارات
01:03في وقت كانت البلد فيه بتمر بظروف اقتصادية صعبة جدا
01:07النهاردة الممر ده مهجور تماما
01:11والشجر والحشائش غطت أجزاء واسعة منه
01:14لكن بيفضل السؤال الحقيقي
01:16مين الشخص اللي امتلك النفوذ والمال عشان يشق الغابة دي
01:20ويبني فيها ممر طيران دولي بالمواصفات دي
01:24وليه صمم يخلي القرية البعيدة دي عاصمته السرية
01:27اللي بيدير منها كل تفاصيل حكمه
01:30عشان نفهم الحكاية من أولها
01:32محتاجين نرجع خطوة الوراء
01:34للوقت اللي كانت فيه القرية دي
01:36مجرد بيوت بسيطة من الأش والطين
01:39قبل ما يدخلها الأسمنت والدهب
01:41وقبل ما يقرر ابن القرية
01:43انه يغير ملامحها للأبد
01:45الابن ده هو موبوتو سي سي سيكو
01:48رئيس زائير
01:49اللي هي الكونغو الديمقراطية حاليا
01:51راجل حكم البلد دي
01:53بقبضة من حديد لأكتر من 30 سنة
01:56موبوتو ما كانش مجرد رئيس عادي
01:58ده كان بيتعامل مع نفسه كأنه زعيم أبدي
02:01وعشان كده قرر يتحدى الجغرافيا
02:04ويصنع واقع جديد على مقاسه تماما
02:06لما فريق البحث في قناتنا غرائب حول العالم
02:09تتبع الخرائط القديمة للمنطقة
02:11اكتشفنا تحول يذهل العقل
02:13القرية الصغيرة غابة دوليت
02:16مسقط رأس موبوتو
02:17اللي ما كانتش أكتر من نقطة منسية على الخريطة
02:20اتحولت في سنين قليلة لمدينة حديثة متكاملة
02:23اتعرفت وقتها باسم فرصاي الغابة
02:25لكن ايه اللي يخلي رئيس يسيب العاصمة الرسمية كينشاسة
02:29بكل نفوذها ومؤسستها
02:31ويروح يبني إمبراطورية تانية
02:33فأقصى الشمال وسط المجهول
02:34السبب الحقيقي كان القلق المستمر من الانقلابات العسكرية
02:38والمؤامرات اللي كانت بتطبخ في كواليس العاصمة
02:41موبوتو كان مقتنع ان الولاء الحقيقي
02:44مش هيلاقيه غير وسط أهله وأفراد قبلته في مسقط رأسه
02:47عشان كده قرر ينقل مركز الحكم الفعلي
02:50لمكان معزول تماما
02:52يكون هو فيه الأمر والناهي
02:54ومحمي بجيش من الحراس اللي بيثق فيهم عمياني
02:57بس عشان تحول بقعة معزولة في قلب الطبيعة الصعبة
03:00لمدينة تضاهي العواصم الأوروبية
03:02مكانش كفاية مجرد قرار سياسي
03:04الموضوع كان محتاج ثروة أسطورية
03:07وجسر إمداد مالوش مثيل في تاريخ القرى الصمرة
03:10وده بالضبط اللي بدأ يتنفذ بمساعدة خبرات عالمية
03:13المهندسين الفرنسيين اللي أشرفوا على ملحمة البنائني
03:16بيحكوا في توثيقتهم عن تفاصيل تخلي العقل يشت
03:19الرخام الإيطالي الفاخر من محاجر كرارة
03:22اتشحن في مراكب عبر المحيط
03:24وبعدين بالطيارات مخصوص لقلب الغابة
03:27والنجف الكريستال الفرنسي من مركة باكرا الشهيرة
03:30اتعلق في صلات واسعة بسقوف شاهقة الارتفاع
03:33القصر من جوه مكانش مجرد بيت
03:35ده كان مجمع متكامل
03:37فيه بحيرات صناعية بتشتغل بمضخات عملاقة
03:40وملاعب جلف واسعة متقلمة بالمسطرة وسط الأشدار الاستوائية
03:45وتحت الأرض شبكة أنفاء خرصانية مضادة للهجمات النووية
03:50صممها خبراء أوروبيين
03:51وعشان نشوف التناقض بوضوح خلينا نبص على الأرقام الموثقة
03:55قوائم الأكل اليومية للأصر كانت بتيجي طازة بطيارات خاصة من باريس
04:00محملة بالكافيار والجنبري وأفخر الأغذية الفرنسية
04:04في المقابل تقائير الأمم المتحدة في الفترة دي
04:07كانت بتأكد أن متوسط دخل المواطن الكنغولي
04:10ما بيعديش دولار واحد في اليوم
04:12ونسبة سوق التغذية الحاد بين الأطفال في المقاطعة
04:15اللي فيها الأصر كانت بتعدي ستين فترة
04:17تكلفة تشغيل التكيفات المركزية للمهار
04:20لحماية الرخام واللوحات من الرطوبة
04:22كانت كفيلة تبني شبكة رعاية صحية كاملة
04:25الانفاق الخيالي ده ما كانش مجرد رفاهية شخصية
04:29ده كان أداة سياسية
04:30مصممة لإبهار العالم
04:32وصناعة نفوذ دولي
04:33وعشان كده السجاد الأحمر الطويل
04:36كان دايما مفروض وجاهز
04:38على ممر الهبوط وسط الأشدار الكسيفة
04:41مستني وصول طيارات قادة وزعماء العالم
04:44وبالفعل
04:45الطيارات دي ما كانتش بتبطى الهبوط في قلب الغابة
04:48ورغم أن الناس برا الكنغو
04:50كانت شايفة جبادولت
04:51مجرد جنون شخصي لراجل طار عقله من كتر الفلوس والسلطة
04:55إلا إن الحقيقة التاريخية بتقول
04:57إن المكان ده كان شغال كمركز دبلوماسي حقيقي
05:00بتتدار فيه مصالح دولية بمليارات الدولارات
05:03ما كانش معزول
05:05ده كان المحطة اللي بيتقابل فيها صناع القرار من الشرق والغرب
05:08رؤساء فرنسيين
05:10مسؤولين كبار من الإدارة الأمريكية
05:12ورجال أعمال جايين من كل حتة في العالم
05:15الناس دي ما كانتش بتيجي عشان تتفسح بس
05:18حضورهم هنا كان بيدي مبوته الشرعية الدولية
05:21والغطى اللي محتاجه عشان يستمر في الحكم
05:23وراء الأبواب المقفولة في الصالونات الوسعة
05:27كانت بتتم صفقات حاسمة لتقسيم صروات البلد
05:30من عقود اليورانيوم اللي بتدور عليها الدول الكبرى
05:33لمناجم النحاس وتجار تلماس
05:36الصفقات دي كانت بتضمن للدول دي حصتها
05:39وبتضمن لمبوته الحماية والسكوت عن تصرفاته
05:43وبالليل التنقض كان بيبقى وابع جدا
05:47برى الصلاة رطوبة الغابة الاستوائية
05:53وجوه التكيفات شغالة بأقصى طاقة
05:55والضيوف بيتقدم لهم الكافيار
05:58وأفخم أنواع الشامبانيا الفرنسية
06:00دون برنيو في كؤوس كريستال
06:02المشهد دا كان بيحصل والناس برى الأصر
06:05مش لقي أساسيات الحياة
06:06بس طول من المصالح متبادلة
06:08ما كانش فيه ضيف بيسأل أسئلة صعبة
06:11بالنسبة لمبوته
06:12الحفلات دي كانت الضمانة أن كرسيها يفضل ثابت
06:15طول ما الكؤوس بتتملي
06:17وسروات الأرض بتتشحن لبرى بانتظام
06:19لكن مع أواخر التسعينيات
06:22الخريطة السياسية في العالم بدأت تتغير
06:24بعد نهاية الحرب البردة
06:26وفجأة الحلفاء الأدام في واشنطن وباريس
06:29ما باوش محتاجين مبوته زي الأول
06:31التليفونات في الأصر بدأت تسكت
06:33والهدوء اللي ساد الممرات
06:35ما كانش هدوء راحة
06:36كان هدوء مقلق بيحضر للنهاية
06:38وفعلا في مايو سنة 1997
06:42اللعبة كانت خلاص بتنتهي
06:43قوات المتمردين بقيادة لوران كابيلا
06:46كانت بتتقدم بسرعة
06:47ومبوته اللي كان السرطان بيأكل في جسمه
06:50لقى نفسه الوحده تماما
06:51ومفيش في إيده أي خيارات طانية
06:53الحلفاء بتوعزمان قفلوا السكك في وشه
06:56وما بقاش قدامه غير ممر الهبوط
06:59اللي بناه في وسط الغابة
07:00عشان يكون بوابته الأخيرة للهروب
07:02المشهد الأخير كان درامي
07:04الديكتاتور العجوز وهو بيسند جسمه بالعافية
07:07وبيطلع سلم الطيارة الأخيرة
07:08المتجهة للمغرب
07:10وهو باصص من الشباك على الغابة اللي تحته
07:13كان عارف انه مش بس بيسيب حكمه
07:15ده بيسيب وراه
07:17قصر أسطوري دفع فيه ثروات
07:19بلده ومش هيشوفه تاني أبدا
07:22وبمجرد
07:23معجل الطيارة ساب الأرض
07:25بدأت الفوضى
07:26الحراس الشخصيين اللي كان المفروض يحموا المكان
07:29كانوا أول ناس يقتحموا البوابات
07:31تخيل المشهد
07:33عسكري بيجروا كرسي مزهب فخم
07:35وسط الطين والمطر
07:37وعساكر تانية بيتكسر الكريستال
07:39عشان تسرق أي حاجة تتباع
07:41بعدهم على طول
07:43دخل أهل القرى المجورة
07:45اللي عاشوا سنين في فقر وجوع
07:47جنب الأصر الأسطوري ده
07:49في غدون ساعات
07:50الأصر تفكك حرفيا قطعة قطعة
07:52الناس كانت بتخلع الأسلاك الكهربائية من الحيطان
07:55وبتشيل الواح الرخام من الجدران
07:58وحتى الخشب والأبواب اتخلعت
08:00المكان اللي كان رمز للسطوة والرفاهية المطلقة
08:03بقى في ليلة وضحاها
08:05مجرد جدران خرصانية عريانة
08:07النهاردة وبعد معدد سنين طويلة
08:10على سقوط غبادوليت
08:12السؤال اللي بيفرد نفسه هنا
08:14ليه الحكومات المتعاقبة
08:15في الكونغو رفضت تماما
08:17ترميم الأصر ده
08:18أو حتى تحويله المزار سياحي
08:20رغم أن قيمته التاريخية والأثرية
08:23ضخمة وممكن تجذب مهتمين
08:26بالتاريخ من كل مكان
08:27الحقيقة الموضوع مش مجرد نقص ميزانيات
08:31ده قرار سياسي ونفسي بامتياز
08:34القادة في القارة
08:35بيتجنبوا تماما الإشارة للمكان ده
08:38في خطبتهم
08:38لأنه بيمثل النموذج الأوضح
08:41والأكثر إحراجا
08:42لتبديد ثروات الشعوب
08:44الأصر ده بقى عامل زي مراية مرعبة
08:47بتفكر كل حاكم بنهايته الحتمية
08:49لو مشي في طريق العزلة
08:51وتجاهل شعبه
08:52تحويله المعلم سياحي
08:54معناه تخليط فكرة السقوط دي
08:56وجعلها متاحة للعيان
08:58وده كابوس حقيقي لأي سلطة
09:01بتحاول ترسم صورة الاستمرارية والقوة
09:03وهنا بنوصل
09:05لسؤال مهم
09:06حابب أسمع رأيكم فيه في التعليقات
09:08هل تعتقدوا أن ترك الأصر ده
09:11للخراب هو محاولة متعمدة
09:13لمحو التاريخ وتجنب
09:15الإحراج والذكريات السيئة
09:16ولا هو نوع من العقاب الرمزي لصحبه
09:19عشان يفضل عبرة
09:20المشهد في جبادوليد دلوقتي
09:23ما بقاش صراع سياسي
09:24أو كلام في الدفاتر الأديمة
09:26الحكاية بقت أوضح بكتير
09:28في تفاصيل المكان نفسه
09:30النهاردة ما بقاش فيه حراس ولا ملوك
09:33الشجر الاستوائي الكثيف كبر
09:35وبقت جدوره طلعة من قلب غرف النوم الملكية
09:38الرخام الإيطالي الفخم
09:40اللي تكلف ملايين
09:41اتكسر
09:42ونبتت الحشائش من الفواصل بتاعته
09:44وحمامات السباحة الفاضية
09:46اللي كانت بتتملي بمياه معدنية
09:48مستوردة مخصوص بالطيرات
09:50بقت مقوى للتعبين والزواحف
09:52وسط السكات التام اللي مغطي المكان
09:54وحتى ممر الهبوط العملاق
09:57الممر الخرصاني اللي بدأنا بيه حكايتنا
09:59واللي اتعمل مخصوص
10:01عشان طيارة الكونكورد
10:03تهبط في قلب الغابة
10:04الخرصانة بتاعته اتشققت تماما
10:07والزرع طلع من بين الشروخ
10:09صوت الهوى وهو بيعدي فوق الممر الفاضي
10:13بقى هو الصوت الوحيد المسموع
10:15بعد ما كانت محركات الطيارات الأسرع من الصوت
10:18بتهز الشجر وتملى المكان دوشة
10:21المشهد ده في النهاية بيلخص الحكاية كلها
10:24الفكرة مش بس في سقوط حاكم
10:27لكن في ان محاولة فرض السيطرة
10:30وبناء مجد شخصي من فلوس البلد
10:32انتهت كأنها لم تكن
10:35القصور ممكن تتبني بالدهب
10:37والخرصانة ممكن تشق الغابات
10:39بس الزمن في الآخر
10:41مش بيسيب غير الدروس
10:43اللي الشعوب بترفض تنساها