Skip to playerSkip to main content
  • 2 days ago
Transcript
00:00كيف يمكن إثبات أن الشمس ستشرق غداً حقاً؟
00:03حسناً، قد يبدو هذا السؤال غريباً جداً للوهلة الأولى
00:07فجميعنا نذهب إلى النوم ونحن على يقين تام بأن الصباح سيأتي
00:12وبأن القوانين التي تحكم هذا الكون العظيم ستبقى ثابتة لا تتغير
00:16لكن ماذا لو كان هذا اليقين المريح مجرد وهم؟
00:20ماذا لو كانت كل خطوة نخطوها وكل حقيقة علمية نعتمد عليها
00:25مبنية في الأساس على مجرد عادة نفسية بحتة
00:29وليس على أي أساس منطقي صلب
00:31اليوم سنستكشف كيف يمكن لأسئلة بسيطة كهذه أن تهدم جدران المعرفة البشرية بأكملها
00:38في شرحنا للمصادر اليوم سنقوم برحلة مذهلة
00:42داخل عقل واحد من أخطر الفلسفة في التاريخ وأكثرهم تأثيراً
00:47الفيلسوف الأسكتلندي ديفيد هيوم
00:50نحن لا نتحدث هنا عن مفكر عادي أضاف نظرية جديدة ومضى في حال سبيله
00:55بل نتحدث عن رجل حمل ما يشبه المطرقة الضخمة
00:59وبدأ بضرب أساسات المعرفة البشرية ذاتها
01:02لقد جعل هيوم الكثير من المفكرين والعلماء من بعده
01:06يشعرون وكأنهم يسيرون فوق أرض غير مستقرة تماماً
01:10إليكم خارطة الطريق السريعة لهذا الشرح
01:13سنبدأ بمطرقة اليقين ثم ننتقل إلى الانتباعات والأفكار الفارغة
01:19بعدها نغوص في وهم السببية وخرافة الذات ثم الدين والأخلاق
01:24لنختم أخيراً بكيفية العيش في عالم غير مؤكد
01:29لنبدأ فوراً بالقسم الأول
01:31مترقة اليقين وتفكيك العقلانية
01:34لكي نستوعب تماماً حجم الصدمة التي أحدثها هيوم
01:39دعونا لعود بالزمن قليلاً إلى أوروبا في القرن الثامن عشر
01:42في ذلك الوقت كان الفلاسفة العقلانيون مثل ديكارت وسبينوزا
01:47ينظرون إلى العقل البشري على أنه حصن منيع للحقيقة المطلقة
01:52كانوا يعتقدون أن الإنسان قادر بمجرد التفكير العميق
01:56على اكتشاف حقائق ضرورية ويقينية عن العالم
01:59لكن هيوم جاء بنظرة علمية وتجربية معاكسة تماماً
02:04بالنسبة له العقل يولد فارغاً
02:07أشبه بلوح أبيض نظيف خال من أي أفكار فطرية مسبقة
02:11وكل ما يتشكل داخل هذا العقل لاحقاً
02:14يجب أن يأتي حصرياً من نافذة واحدة فقط
02:16التجربة والحواس
02:18ننتقل إلى القسم الثاني
02:20الانطباعات مقابل الأفكار الفارغة
02:23أو ما أسماه بالاختبار الحسي
02:26لقد قام هيوم بتقسيم كل ما يدور في أذهاننا إلى معسكرين واضحين
02:31المعسكر الأول سماه الانطباعات
02:33وهي ببساطة التجارب المباشرة والقوية التي نعيشها في اللحظة
02:38مثل الشعور الفعلي بألم حقيقي
02:40أو رؤية اللون الأحمر الصاطع مباشرة
02:43أما المعسكر الثاني فهو الأفكار
02:45وهي مجرد نسح ذهنية باهتة وضعيفة لتلك الانطباعات الأصلية
02:50فمثلا عند تذكر ألم قديم نحن لا نعيش الألم من جديد بنفس القوة والحرارة
02:55بل نستحضر مجرد صورة باهتة له في الذهن
02:58القاعدة الذهبية هنا صارمة جدا
03:01كل فكرة صحيحة ومقبولة يجب أن يكون لها أصل حسي مباشر
03:06ومن هذه القاعدة ابتكر هيوم سلاحه الفلسفية المدمر
03:11ألا وهو الاختبار الحسي
03:14كان يطارد الفلاسفة بسؤال واحد مباشر من أين جاءت هذه الفكرة
03:19عندما يبدأ أحدهم بالحديث عن مفاهيم مجردة وغامضة
03:23كالجوهر المطلق أو الكيانات المخفية التي لا تمكن رؤيتها أو لمسها
03:29كان يطالبهم بالانطباع الحسي المباشر الذي أنتج تلك الفكرة
03:33الأمر أشبه بحارس أمن صارم يطلب بطاقة الهوية لأي فكرة تحاول الدخول إلى العقل
03:40وإذا لم يوجد هذا الانطباع الحسي فالحكم قاطع
03:43هذا المفهوم فارغ تماماً أو مجرد وهم لغوي أو أصوات معقدة لا تمت للواقع بأي صلة
03:51وهذا يقودنا إلى القسم الثالث والأكثر إثارة
03:55وهم السببية كرات البلياردو والعادة
03:58هذا النقد بالذات كان بمثابة زلزال عنيف ضرب أساسات العلم وطريقة تفكيرنا اليومية
04:05دعونا نتأمل لعبة البلياردو نرى الكرة الأولى تتحرك تصطدم بالكرة الثانية ثم نرى الكرة الثانية تندفع وتتحرك
04:14تلقائياً نعتقد أننا نرى الكرة الأولى تسبب حركة الكرة الثانية
04:20لكن انتظروا لحظة
04:21هيوم يخبرنا أننا في الواقع لا نرى أي قوة خفية أو طاقة تنتقل بين الكرتين
04:28ما نراه حقاً هو مجرد تعاقب زمني حدث يتبعه حدث آخر لا أكثر
04:34وبسبب تكراه هذا المشهد أمام أعيننا ألاف المرات يعتاد العقل عليه ويقوم هو من تلقاء نفسه بإضافة فكرة الضرورة
04:43إذن السببية ليست شيئاً نراه في العالم الخارجي
04:47بل هي إضافة نفسية خالصة يبتكرها العقل بدافع العادة والتعود
04:52لتوضيح الخليل القاتل في هذا النوع من التفكير وهو ما يعرف بالاستقراء
04:58دعونا نستعير قصة شهيرة وممتعة للفيلسوف بيرتراند راسل
05:02القصة عن ديك يطعمه المزارع كل صباح بانتظام
05:06مع تكرار هذا الحدث يوماً بعد يوم يبني الديك في عقله توقعاً راسخاً واستنتاجاً يبدو منطقياً جداً
05:14ظهور الإنسان يعني دائماً قدوم الطعام
05:17كل التجارب السابقة تؤكد ذلك لكن في يوم من الأيام وتحديداً قبل العيد
05:23لا يأتي الإنسان بالطعام كالعادة بل يأتي حاملاً فأساً
05:27لقد قاد التكرار والاعتياد هذا الديك إلى استنتاج خاطئ تماماً ونهاية مأساوية
05:33وهنا تكمن الصدمة الحقيقية التي يرميها هيوم في وجوهنا
05:38نحن نفترض وبشكل يومي أن المستقبل سيشبه الماضي
05:43نحن مقتنعون بأن الماء سيغلي غداً عند نفس الدرجة المعتادة
05:48وبأن الجاذبية الأرضية ستستمر في العمل ولن مطير فجأة في الهواء
05:54لكن هيوم يثبت ببراعة أنه لا يوجد أي دليل عقلي أو منطقي صارم
05:59يؤكد أن قوانين الطبيعة لن تتغير غداً
06:03بعبارة أخرى كل العلوم التي نعتمد عليها
06:06وكل محاولاتنا للبقاء على قيد الحياة
06:09تستند في الحقيقة إلى عادة نفسية مريحة
06:13وليس إلى أي يقين منطقي أو رياضياً مطلق
06:17نصل الآن إلى القسم الرابع
06:19خرافة الذات
06:21مسرح بلا ممثل
06:22بعد أن زلزل هيوم ثقتنا بالعالم الخارجي وبقوانين الطبيعة
06:27قرر أن يوجه مترقته الشهيرة هذه المرة إلى الداخل
06:31ليضرب فكرة في غاية الأهمية
06:34فكرة الأنا
06:35جميعنا نعيش ونحن نعتقد قاطعين أن بداخلنا جوهراً مستقراً
06:41روحاً أو ذاتاً تبقى كما هي رغم مرور السنوات وتغير الظروف
06:46لكن عندما حاول هيوم البحث عن هذه الذات الثابتة عبر المراقبة الداخلية والتأمل الذاتي
06:52خمنوا ماذا وجد
06:53لم يجد شيئاً على الإطلاق
06:55لم يجد سوى ما أسماه نظرية الحزمة
06:58بالنسبة له
06:59هذه الذات التي نقدسها ليست سوى حزمة سريعة التغير من الإدراكات والانفعالات والأحاسيس
07:06ولا يوجد أي مركز صلب أو كيان مستقل يقف خلفها
07:10إذا دققنا النظر في مكونات الإنسان في أي لحظة زمنية
07:14سنجد أنها ببساطة
07:16سلسلة متغيرة ومستمرة
07:19من أفراح عابرة تأتي وتذهب
07:22مخاوف تظهر فجأة
07:23ذكريات تمر في شريط الذهن
07:26ألام تتغير شدتها
07:27وأفكار مؤقتة لا تستقر على حال
07:30الإنسان كما يصفه هيوم بصورة بليغة جدا يشبه مسرحا
07:36تمر فوق خشبته هذه الإدراكات باستمرار وبسرعة
07:40لكن المفاجأة الصادمة هي أنه لا يوجد ممثل ثابت أو مخرج خلف هذا المسرح
07:46الهوية الشخصية الثابتة التي نتحدث عنها دائما
07:50هي مجرد رابط وهمي يصنعه عقلنا
07:53ليرتب هذه الحالات المتغيرة والمبعثرة
07:56خامسا الدين العقل والعاطفة أو حدود المنطق البشري
08:02هذا التفكيك الشامل للعقل ومفهوم الذات
08:05دفع هيوم لتحليل المعتقدات الكبرى بحيادية تحليلية شديدة
08:10فمثلا قدم هيوم تحليلا رياضيا واحتماليا صارما
08:14لمسألة المعجزات والروايات الخارقة للطبيعة
08:17هو يطرح أماما احتمالين بسيطين عند سماع أي قصة عن معجزة
08:22الاحتمال الأول أن يكون هناك خرق فعلي وتام لقوانين الطبيعة التي اختبرناها
08:27واعتدنا عليها ملايين المرات
08:29الاحتمال الثاني أن يكون هناك مجرد خطأ بشري
08:33كأن يكون الروي قد كذب أو خدع أو ربما أصيب بهلوسة
08:37ويتساءل هيوم بكل برود وحيادية رياضيا ومنطقيا أيهما أكثر احتمالا
08:43بالنسبة لعدسات هيوم التحليلية
08:45فإن احتمال أن يخطأ البشر أو يبالغ في النقل هو دائما
08:49ومن الناحية الإحصائية أعلى بكثير من احتمال انهيار القوانين الفيزيائية الراسخة للكون
08:54ومن هذه النظرة البرغماتية
08:57نصل إلى واحدة من أشهر المقولات في تاريخ الفلسفة
09:01وأكثرها إثارة للجدل
09:03العقل هو عبد للعواطف
09:05قبل هيوم كان الاعتقاط السائد والنبيل ربما
09:09هو أن المنطق والعقل هم اللذان يقودان سلوك الإنسان وأخلاقه
09:14لكن هيوم بمراقبته الدقيقة للطبيعة البشرية
09:17وجد العكس تماما
09:19فالذي يحرقنا حقا
09:21والذي يدفعنا لأي فعل
09:22هو الرغبة
09:23الخوف
09:24الحب
09:25أو الغضب
09:25العاطفة هي المحرك
09:27أما العقل
09:28فيأتي دوره لاحقا فقط ليبرر ويفسر ما قررت العاطفة فعله مسبقا
09:34أو ليرشدنا كأداة ذكية
09:36حول كيفية تحقيق وتلبية تلك الرغبات المشتعلة
09:39إذن النقطة الحاسمة هنا هي كيف طبق هيوم أفكاره هذه على الأخلاق
09:44من خلال ما يعرف فلسفيا بمشكلة الكائن وما ينبضي أن يكون
09:50كثيرا ما نرى الناس يصفون الواقع كما هو
09:53ثم يقفزون فجأة لوضع قاعدة أخلاقية صارمة
09:56على سبيل المثال قد نلاحظ في الطبيعة أن القوية يفترس الضعيف
10:01هذا وصف لواقع
10:02ثم نقفز لنقول
10:04إذن يجب أن يحكم الأقوياء المجتمع ويتحكم في الضعفاء
10:08هيوم يرفض هذا الانتقال تماما
10:11ويعتبره مغالطة منطقية صريحة
10:13فمجرد وصفنا المحايد للواقع كما هو
10:16لا يعطينا أي مبرر منطقي لإصدار حكم أخلاقي
10:20حول ما ينبغي أن يحدث
10:22الحقائق شيء والقيم شيء آخر تماما
10:25وأخيرا نصل إلى القسم السادس
10:28العيش في عالم غير مؤكد
10:31خيمة العادة الدافئة
10:33يجب أن نتوقف لحظة لندرك حجم الزلزال الفكري الذي أحدثه ديفيد هيوم
10:39هذا الزلزال لخصه الفيلثوف العظيم إيمانويل كانت
10:43باعتراف مذهل وشهير جدا
10:45حين قال إن أفكار هيوم هي التي أيقضته من سباته العقائدي
10:50لقد أدرك كانت والمفكرون في عصره أن هيوم قد فكك الأساس التقليدية للمعرفة البشرية بالكامل
10:57هذا الأمر أطلق جرس إنذار حقيقي وأجبر فلاسفة وعلماء العصور اللاحقة
11:03على العمل بشكل عاجل لإعادة بناء أسس العلم والمعرفة من الصفر تقريدا
11:08لمحاولة إنقاذها من أزمة الشك العميق التي خلقها هيوم
11:12ولكن وبشكل مثير جدا للاهتمام
11:16رغم كل هذا الشك الفلسفي الجذري
11:18لم يكن هيوم نفسه رجلا متشائما
11:21ولم يدعو أبدا للتوقف عن ممارسة الحياة
11:25بل على العكس أثبت أن الطبيعة البشرية أقوى بكثير من الشك النظري المجرد
11:31كيف ننجو إذن؟
11:32نحن ننجو لأننا كائنات حية تتحرك بدافع الغرائز والعواطف الحيوية
11:38نحن نعتمد في حياتنا اليومية على تلك العادات النفسية
11:42التي توفر لنا مظلة من الأمان والراحة وليس على المنطق الرياضي الخالص
11:47نحن ببساطة نقبل بأننا نعيش في عالم يحكمه الاحتمال والتوقع القوي
11:53ونتصالح مع تخلي عن وهم اليقين المطلق
11:56وهذا بحد ذاته كان ولا يزال كافيا جدا لكي نستمر في بناء الحضارات
12:02وتطوير العلوم وازدهار البشرية
12:04ختاما وبعد هذه الرحلة العميقة
12:07يتركنا ديفيد هيوم أمام سؤال مقلق ومحفز في نفس الوقت
12:12دعونا نفكر فيه معا إذا كانت ثقاتنا المطلقة في قوانين الطبيعة
12:17وفي حقيقة أنفسنا وفي ثبات العالم الخارجي من حولنا
12:21مبنية في جوهرها على مجرد عادات نفسية قوية ومتوارتة
12:26وليس على يقين رياضي أو منطقي مطلق
12:29فما هي الأشياء الأخرى التي نعتبرها اليوم حقائق وبديهيات لا تقبل حتى النقاش
12:36بينما نحن في الواقع مخطئون فيها تماما
12:38هذا السؤال المفتوح لا يزال يدوي في أروقة الفلسفة والعلم حتى يومنا هذا
12:44وهو تذكير دائم لنا بأهمية التواضع المعرفي
12:48وبأن نبقي عقولنا مفتوحة دائما للتذكير خارج حدود المألوف
Comments

Recommended