00:00مالر في أيامه الأخيرة ما كانش شاغل باله بس بالتعب اللي هادت حيله
00:04قد ما كان شاغل باله بالرقم
00:06كان بيعد السنين والأعمال اللي خلصها
00:09وعينه فيها ألق واضح وهو بيبص للنوتة اللي قدامه
00:13بالنسبة لمالر السنفونية التسعة ما كانتش مجرد مشروع فن جديد
00:18كانت هي الخط اللي خايف يعديه
00:21الحقيقة إن الألق ده ما كانش مجرد أوهام
00:24مالر كان مذاكر تاريخ اللي قبله كويس
00:27وشايف إن مفيش ولا مؤلف موسيقي تقيل
00:30من وقت بيته فن قدر يكسر حاجز السنفونية التسعة
00:34كان فيه إحساس عام في الوسط الموسيقي وقتها
00:37إن رقم تسعة هو السقف اللي مسموح للبشر يوصلوله
00:41وأي محاولة لتجاوزه هي مخطرة بالحياة نفسها
00:45فقضته كان بيحاول يهرب من المصير ده بأي طريقة
00:49لدرجة إنه رفض يسمي عمل من أعماله السنفونية التسعة
00:53وسماه اسم تاني خالص
00:55عشان يضحك على القدر ويعدي المرحلة دي بسلام
00:58لكن الخوف فضل ملازمه في كل نوتة بيكتبها
01:02وكأن فيه رابط خفي بين آخر جملة موسيقية بيخلصها
01:06وبين اللحظة اللي هيفارق فيها الدنيا
01:08الرغبة اللي كانت في قلب مالر ما كانتش وليدة اللحظة
01:11دي كان ليها أصل وتاريخ
01:13بدأ قبل ولادته بسنين طويلة
01:15عند الشخص اللي حط القعدة بيه من غير ما يقصد
01:18في 7 مايو 1824
01:21فيينا كانت على موعد مع لحظة فرقة
01:24لودفيك فان بيتهوفن
01:26وابف بيقود الفرقة في العرض الأول لسنفونيته التسعة
01:29المشهد كان فيه تناقض غريب
01:31بيتهوفن بيقود العمل
01:33وهو مش سامع نوتة واحدة من لدت عزف
01:36لأنه كان فقط سمعه تماما
01:38حتى الكرال وهو بيغني نشيد الفرح
01:41لأول مرة في تاريخ السنفونيات
01:43هو ما كانش سمع
01:44لما خلس العسف
01:46الجمهور قام وكسر القاعة تصفيق
01:48وبيتهوفن فضل مدي ظهره للناس
01:50مش واخد باله من الزلزال اللي حصل وراه
01:54لحد ما واحدة من المغنيات لفته بأيديها
01:57عشان يشوف بعينه النجاح اللي مستحيل يسمعه
02:00التسعة ما كانتش مجرد سنفونية جديدة
02:03دي كانت نقطة تحول
02:04خلت كل اللي فات في كفة
02:06واللي جاي في كفة تانية
02:08بيتهوفن قصرف فيها كل القواعد
02:11طولها كان غير مسبوق
02:12ودخل فيها أصوات بشرية
02:14وكأنه كان بيفرغ كل مخزونه الفني
02:16في العمل ده بالذات
02:18النقاد وقتها حسوا أن دي الخلاصة
02:21المرحلة للفنان بيطلع فيها كل طقته
02:24وكأنها وصيته الأخيرة للعالم
02:26وفعلا بعد ثلاث سنين بس من اليوم ده
02:29بيتهوفن توفى
02:30وهو لسه بيبدأ يحط المسودات الأولى
02:33للسنفونية العشرة
02:34مات وساب وراه تسعة عظيمة لدرجة
02:36أنها بقت عبقة على أي مؤلف يجي بعده
02:39الفكرة بدأت تتسرب للجوم وراه
02:41أن رقم تسعة ده هو سقف الإبداع
02:44الخط اللي لو وصلت له
02:46يبقى قدمت رسالتك كاملة
02:47ومش مسموح لك تتخططها
02:49خلينا نفكر في الموضوع بالهداوة
02:51الرهبة دي ما كانتش مجرد كلام
02:53دي تحولت لهاجس حقيقي عند الجيل الجديد
02:56بدأوا يحسوا أنهم مش بس بيحاولوا يكتبوا مزيكة حلوة
03:00دول بيحاولوا يهربوا من مصير مرسوم
03:03وكأن بيتهوفن قفل الباب وراه وخاد المفتاح
03:06وساب اللي بعده في مواجهة مباشرة مع السؤال الصعب
03:10هل نقدر نعدي الرقم ده؟
03:12أول اسم لفت الأنظار بعد رحيل بيتهوفن
03:15كان فرانس شوبرت
03:17شوبرت كان تلميذ مخلص لمدرسة بيتهوفن
03:20لدرجة أنه طلب يتدفن جنبه
03:22لما كتب سينفونيته التسعة
03:24اللي تعرفت بالعظيمة
03:26فارق الحياة وهو لسه في عز شبابه
03:29عنده 31 سنة بس
03:30الغريب أن شوبرت ملحقش حتى يسمع السينفونية دي
03:34بتتعازف قدام جمهور
03:36وكأن العمل ده كان آخر مهمة ليه في الدنيا
03:39الموضوع ما بقاش مجرد حالة فردية
03:42لما تكرر مع أنتونين ديفوشاك
03:44الملحن التشيكي اللي ملت دنيا بموسيقاه
03:47وصل لقمة مجدو بسينفونيته التسعة من العالم الجديد
03:51العمل ده حقق نجاح ضخم
03:54ولف في العالم كله
03:56لكن بعده مباشرة
03:57وقبل ما يبدأ في السينفونية العشرة
03:59انتهت حياته فجأة
04:01وبدون مقدمات طبية واضحة
04:03هنا الكلام بدأ يكتر
04:05هل في كوتا معينة من الإبداع الموسيقي
04:08مش مسموح للبشر أنهم يتخطوها؟
04:10الخوف ده اتجسد بشكل واضح عند أنتون بروكنر
04:14بروكنر كان واعي جدا للي حصل للي قبله
04:17وكان عنده فوبيا حقيقية من رقم تسعة
04:19قضى سنين طويلة بيقلف في سينفونيته التسعة
04:22وكان بيحاول يلحق يخلص قبل ما وقته يخلص
04:26وفي النهاية اتوفى وهو بيحاول يكمل الحركات الأخيرة
04:29وساب السينفونية ناقصة للأبد
04:32وكأن الرقم نفسه كان تقيل
04:34لدرجة أن الألم ما بقاش قادر يتحرك
04:36في المرحلة دي الحكاية ما باقتش صدفة عابرة بتتحكي في الصالونات
04:41دي باقت نمط بيسيطر على عقول الموسيقيين في أوروبا
04:45الهمس زاد في الكواليس
04:46والخوف بقى بيلاحق أي مؤلف يقرب من المحطة دي
04:50لكن وسط القلق ده كله
04:52ظهر شخص واحد قرر أنه يحاول يخدع الموت
04:56ويهرب من المصير ده
04:58الشخص ده هو اللي صاغ المصطلح
05:00اللي لسه بنردده لحد النهاردة
05:02لعنة التسعة
05:03الشخص ده كان جوستاف مالر
05:06اللي كان بيرائب اللي حصل للي قابله
05:08بتركيز شديد
05:09بالنسباله حكاية أن الملحن يموت
05:12بعد السينفونية التسعة
05:13ما كانتش مجرد إشاعة
05:15دي كانت حقيقة واقعية بيحسب لها ألف حساب
05:18لما خلص سينفونيته التمنى
05:21لقى نفسه قدام اختيار صعب
05:23يكمل ويدخل منطقة الخطر
05:25واللي يحاول يلاقي مخرج يضحك بيه على الحكاية دي
05:28مالر قرر يلعب لعبة زكية
05:31أو ده اللي كان متخيله
05:32في عمل موسيقي ضخم
05:33سينفونية كاملة بكل المقاييس
05:36بس رفض تماما يديها رقم تسعة
05:38سماها أغنية الأرض
05:40كان مقتنع أن الموت بيدور على الأرقام والعنوين
05:44وطالما الغلاف ملوش رقم التسلسل الملعون
05:46يبقى هو كده لسه في منطقة الأمان
05:49وفعلا أغنية الأرض خلصت
05:51ومالر فضل عيش
05:53في اللحظة دي السقة رجعت له
05:55وحس أنه كسب المعركة
05:57فبدأ يكتب سينفونية جديدة
05:59وسماها التسعة
06:01بقلبه
06:03كان جواه شعور بانتصار هادي
06:05كأنه بيقول لنفسه أنه قدر يكسر القعدة
06:08لأن التسعة دي في الحقيقة هي عمله العاشر
06:11وبكده يكون عدى المحطة
06:13اللي الكل وقف عندها
06:15لكن الحسابات دي
06:17ما غيرتش من الواقع حاجة
06:19مالر وهو شغال في السينفونية العاشرة
06:22جسمه نهار فجأة
06:23في صيف 1911
06:25قلبه ماكملش المشوار
06:27ووقف
06:28ومات وساب العاشرة
06:30مجرد
06:34اللعنة
06:35ما كانتش مهتمة بالألعاب
06:37ولا بتغيير الأسامي
06:39هي كانت مهتمة بس
06:41إن مفيش حد مسموح له يتخطى سقف معين
06:45بعد كل المبدعين اللي وقعوا
06:47واحد ورد تاني
06:48في نفس التوقيت
06:50وبنفس الطريقة
06:51السؤال اللي بيفرض نفسه
06:53هل احنا قدام صدفة حسابية غريبة
06:56اتكررت كتير
06:57ولا الحكاية لها تفسير تاني
06:59تفسير منطقي
07:00يقدر يفك اللغز ده بعيدا عن الأساطير
07:03وعشان نجاوب على السؤال ده
07:05خلينا نبص للحزبة بالمنطق شوية
07:08أغلب الملاحنين دول
07:10وصلوا للسينفونية التسعة
07:11وهم في الخمسينات أو الستينات من عمرهم
07:13وفي القرن التسعة عشر
07:15السن ده كان يعتبر السن الطبيعي للوفاة
07:17يعني الجسم والقلب وصلوا لآخر تقتهم
07:20والموت هنا مش محتاج لعنة
07:22هو مجرد واقع بيولوجي
07:24كمان في نقطة تانية
07:26وهي طبيعة الشغل
07:28السنفونية بعد بيتوفن
07:30ما بقيتش مجرد مقطوعة موسيقية
07:32بتخلص في ربع ساعة
07:33دي تحولت لعمل ضخم ومعقد
07:35بياخد سنين من التركيز والمجهود العصبي
07:38الملاحن بيستنزف كل طقته في مشروع واحد
07:42وده بيخلي السنفونية التسعة غالبا
07:44هي أقصى حاجة ممكن يوصل لها مجهود المبدع
07:46قبل ما يتعب جسديا
07:48وممكن حد يسأل
07:49طب ما موتسارت كتب أكتر من أربعين سنفونية
07:52وهايدن كسر حاجز المية
07:54ليه اللعنة ملمستهمش
07:56الإجابة البساطة أن شكل السنفونية وقتها كان مختلف
07:59كانت أقصر وأبسط بكتير
08:01وممكن تخلص في أيام
08:03لكن بعد بيتوفن
08:04السنفونية بقت قضية
08:06ومسؤولية قيلة
08:07وكل واحدة منها بتسحب من رصيد أعصاب الملحن بجد
08:11غير كل ده في الجانب النفسي
08:13لما فنان زي مالر يعيش سنين مقتنع إن السنفونية الجاية هي نهايته
08:18الضغط العصبي ده بيتحول لنبوءة بتحقق نفسها
08:21التوتر المستمر والانتظار القاتل للمصير ده بيجهد القلب فعليا
08:26وكأن الملحن من كتر خوفه هو اللي بيستعجل النهاية
08:30لكن وسط حالة القلق دي
08:32ظهر ملحن سوفيتي قرر إنه مش هيمشي وراء الأوهام دي
08:35هو مش بس قرر يكسر اللعنة
08:37ده قرر يواجهها بسخرية
08:39ويحول الخوف لضحك قدام العالم كله
08:42الملحن ده هو ديمتري شوستاكوفيتش
08:44وفي سنة 1945
08:46العالم كله كان نستني منه السنفونية التسعة
08:49الاتحاد السوفيتي كان عايزها ملحمة ضخمة طليق بالنصر في الحرب العالمية التانية
08:54والضغط عليه كان كبير
08:56من ناحية سياسة ستالن اللي ما بيعرفش الهزار
08:58ومن ناحية تانية هاجس الرقم تسعة اللي طارد اللي قبله
09:02بس شوستاكوفيتش قرر يلعبها بزكاء مختلف تماما
09:06بدل ما يكتب عمل جنائزي أو ملحمة إيلة تسحب من روحه وأعصابه
09:10فاجئ الكل بمقطوعة قصيرة مرحة وفيها روح من السخرية
09:14وكأنها نكتة موسيقية بتهزر مع القدر
09:17الناس اتصدمت
09:19إزاي دي تكون التسعة اللي الكل كان مرعوب منها
09:22والنتيجة
09:23شوستاكوفيتش عدى المحطة دي بسلام
09:25وفضل عايش لحد ما كتب السنفونية رقم 10
09:28و11 لحد ما وصل لرقم 15
09:30هو حول الخف لضحك وبدل ما يستسلم للأسطورة
09:34فك العقدة دي وخلاها مجرد ذكرى في كتب التاريخ
09:37تفتكروا فعلا في أرقام بتشيل طاقة معينة وبتحكم مصرنا
09:41ولا هي مجرد أوهام إحنا اللي بنغزيها بخفنا لحد ما نصدقها
09:45شاركونا رأيكم في التعليقات
09:47الحقيقة إن الأسطورة دي وسواء كانت حقيقية ولا مجرد صدفة
09:51قدرت تخلي للسنفونية التسعة هيبة ومكانة
09:55مفيش عمل تاني يوصل لها
09:56بقتش مجرد مقطوعة عادية في نص المشوار
09:59بقت هي النقطة اللي الملاحن بيحس عندها إنه وصل لآخر ما عنده
10:04ومستني يشوف القدر هيودي فين
10:06فيه تفسير هادي بيقول إن الموضوع ملوش علاقة بالعنى
10:10لكنه مرتبط بطاقة الإنسان نفسه
10:14كأن المبدع بعد ما بيخلص السنفونية التسعة
10:16بيكون حط فيها كل خبرته
10:20وواجعه وتساؤلاته عن الوجود
10:22كأنه وصل لآخر السطر اللي يقدر يكتبه
10:27السنفونية دي بتبقى هي الوصية
10:29اللي بتلخص رحلة العمر كله
10:33في شوية نوع
10:34إحنا نهاردة مش بنفتكر بيت هوفن أو مالر
10:37أو شوبرد
10:38عشان الطريقة اللي ماتوا بيها
10:42ولا عشان الرهبة اللي عاشوها من مجرد رقم
10:47إحنا بنفتكرهم عشان المزيكة اللي سابوها لنا
10:50عند خط
10:51السنفونية التسعة
10:53فضلت هي الوداع الأخير
10:55اللي بيثبت إن الإبداع الحقيقي مالوش سقف
10:58وإن الفن بيعيش أطول بكتير من صحبه
11:01دي كانت حكاية لعنة التسعة
11:03اللي شغلت بالي الموسيقيين والعالم لسنين طويلة
11:09استنونا في حكايات تانية من غرائب حول العنة
11:14ترجمة نانسي قنقر
Comments