Skip to playerSkip to main content
  • 19 minutes ago
Transcript
00:00تخيلوا معنا للحظة كل من نعرفه كل فكرة نعتبرها حقيقة مطلقة في حياتنا اليومية وكل يقين نستند إليه ماذا لو
00:09كان مجرد وهما كبير
00:10في شرحنا اليوم لن نقرأ تاريخا جافا للفلسفة بل سندخل معا في حالة من الترقب المعرفي المثير
00:18سنتتبع كيف قام رجل واحد في القرن السابع عشر بهدم قصر المعرفة البشرية بالكامل حجرا تلو الآخر
00:26بحثا عن أساس صلب واحد لا يمكن تدميره نحن نتحدث عن مشروع الشكل جذري لريني ديكارت
00:33هذا المشروع الذي أحدث زلزالا فكريا لازلنا نشعر بارتداداته في نظرتنا لأنفسنا وللعالم من حولنا حتى هذه اللحظة
00:41حسنا دعونا نتعمق في هذا كان ديكارت ينظر إلى كل هذه المعارف التي ورثناها جيلا بعد جيل
00:49والتي نعتمد عليها بغير وعي مننا وكأنها بيت هش مبني على رمال متحركة
00:55نحن نولد نكبر ونبدأ في تصديق ما يقال لنا دون أن نتوقف لنسأل هل هذه الأفكار صحيحة فعلا؟
01:03بالنسبة لديكارت هذا التركم الهائل من العادات والتقاليد قد يكون برمته مجرد كذبة
01:09لذا قرر أنه لن يكتفي بمجرد ترميم هذا البيت بل سيهدمه بالكامل من الصفر
01:16لقد وضع قاعدة صارمة جدا أي فكرة تقبل الشك ولو بنسبة ضئيلة ترمع في سلة المهملات فورا
01:23والسؤال الذي نطرحه هنا هو مجرد الشرارة الأولى لهذا الانهيار العظيم
01:28هنا بدأ ديكارت في أخذ فأس الهدم ليضرب هذا البيت المعرفي عبر ثلاث خطوات تصاعدية هو مدمرة حقا
01:36الخطوة الأولى الحواس ألا تخدعنا حواسنا طوال الوقت نرى السرابة من بعيد فنظنه ماء أليس كذلك
01:44وإذا خدعتنا لمرة واحدة فلا يمكننا أبدا الوثوق بها لبناء يقين مطلق لكنه لم يتوقف هنا
01:51الخطوة الثانية كانت حجة الحلم ماذا لو كانت حياتنا بأكملها مجرد حلم طويل
01:57في الحلم نرى ونسمع ونشعر وكأن كل شيء حقيقي تماما
02:01فكيف نتأكد أننا مستيقظون الآن
02:04ثم وصل للخطوة الثالثة وهي تجربة فكرية مرعبة بكل ما تحمله الكلمة من معنى
02:10الشيطان الماكر
02:11لنتخيل أن هناك كائنا خارقا هدفه الوحيد في الوجود هو خدعنا
02:15يجعلنا نعتقد مثلا أن واحدا زائد واحد يساوي اثنين بينما هي في الحقيقة ليست كذلك
02:21هنا ينهار كل شيء الحواس الجسب العالم وحتى المنطق والرياضيات نفسها
02:29لكن وسط هذا الظلام الدامس وحيث بدأ أن كل شيء قد انهار تماما
02:34التمعت شرارة واحدة مستحيلة الانطفاء
02:37المقولة التي نسمعها دائما والتي ربما تكون الأشهر في تاريخ الفلسفة كله
02:42ليست مجرد استنتاج رياضي بارد
02:45لا بل هي الصخرة الصلبة التي سيبني عليها ديكارت قصره الجديد
02:49الفكرة العبقرية هنا هي حتى لو كان هناك شيطان ماكر يتلعب بعقولنا
02:55وحتى لو كان العالم كله وهما
02:57فهناك حقيقة واحدة تقف شامخة
03:00لكي يتم خداعنا لا بد أن يكون هناك شيء يتعرض للخداع
03:04عملية الشك نفسها تحتاج إلى ذات تشك
03:07باختصار فعل التفكير يثبت وجودنا الفوري بشكل قاطع
03:11ولا يقبل أي جدال
03:13إذن النقطة الحاسمة هنا هي أن هذا الاكتشاف المذهل
03:17الذي نسميه فلسفيا بالكوجيتو
03:20قلب الطاولة على الجميع وغير مجرد تاريخ
03:24قبل ديكارت أين كانت الفلسفة تبحث عن الحقيقة؟
03:28في الطبيعة؟ في النصوص القديمة؟
03:30أو عند الفلاسفة السابقين؟
03:32لكن الكوجيتو أخذ مركز الحقيقة وزرعه مباشرة داخل العقل الفردي المستقل
03:38الذات التي تفكر أصبحت هي نقطة الانطلاق الوحيدة المضمونة
03:43تخيلوا هذا التحول
03:44العالم الخارجي بكامله أصبح مشكوقا فيه
03:48بينما العقل الفردي هو اليقين المطلق الأول
03:51هذا التحول العنيف هو بالضبط ما أسس لمفهوم الفردانية الحديثة التي نعرفها اليوم
03:57ممتاز وجدنا الأساس
03:59الآن كيف سيعيد ديكارت بناء بيت المعرفة؟
04:03وكيف سيفعل ذلك وهو لا يثق في حواسه على الإطلاق؟
04:06الحل كان في الغوص أعمق داخل العقل نفسه من خلال ما أسماه الأفكار الفطرية
04:12تصوروا أن العقل يولد ومعه بذور جاهزة
04:15مفاهيم كامنة لا نحتاج لتعلمها من تجاربنا مع العالم الخارجي
04:19مثل فكرة الامتداد، الأرقام، والمنطق
04:22لقد فضل ديكارت الوضوح والنقاء الذي تقدمه الرياضيات
04:26على الفوضى المزعجة التي تأتينا من الحواس
04:28وكان يطمح لأن يجعل الفلسفة دقيقة وصارمة تماما كالمعادلات الرياضية
04:33ولكن مهلا، كانت هناك عقبة واحدة ضخمة تقف كالجبل في طريق ديكارت
04:40فبوجود الكوجيتو والأفكار الفطرية
04:43كيف سيهرب نهائيا من شبح الشيطان الماكر
04:47الذي قد يتلاعب حتى ببديهياته الرياضية؟
04:50المخرج الوحيد للهروب من هذا المأزق
04:53كان في إثبات رقم واحد
04:55إثبات وجود إله واحد كامل ومطلق الخير
04:59الحجة هنا هي أن فكرة الكمال لا يمكن أبدا أن تصدر من كائن ناقص مثل الإنسان
05:05بل يجو أن يكون مصدرها هو الله ذاته
05:08وبما أن هذا الإله كامل فهو بالتأكيد لن يكون مخادعا
05:12هذا الإله الواحد هو الضمانة النهائية التي تحمي عقولنا
05:17وتجعل منطقنا البشرية موثوقا في النهاية
05:20الآن ما يثير الاهتمام حقا في هذه الشريحة
05:24هو الخلال المنطقي القاتل الذي اصطاده النقاد فورا في هذا البناء الجديد
05:30لقد وقع ديكارت في فخ دائري كلاسيكي
05:33لنتأمل قليلا
05:35هو يقول إننا نستخدم العقل من خلال التفكير الواضح والمتميز
05:40لإثبات وجود الله
05:42صحيح؟
05:42ثم يعود ليقول إننا نحتاج إلى الله
05:46ليضمن لنا أن تفكيرنا الواضح والمتميز
05:49هو تفكير صحيح وليس خداعه
05:51باختصار شديد نحن نستخدم العقل لنثبت وجود الله
05:56كي نثبت أن العقل يعمل بشكل صحيح
05:59هذه الدائرة المفرغة اعتبرت ضربة موجعة
06:03لمشروعه الذي كان يطمح ليقين مطلق لا تشبه شائبة
06:07وإلى جانب أزمة اليقين هذه
06:09أدخلنا ديكارت في أزمة أخرى
06:12لا تزال تدعيتها تزلزل العلم وعلم النفس حتى اليوم
06:16مشكلة العقل والجسد
06:18لقد قسم الإنسان لعالمين منفصلين تماما وكأنهما من قوكبين مختلفين
06:24العقل هو جوهر خالص للتفكير بلا وزن ولا شكل ولا مكان
06:28والجسد مجرد آلة مجرد مادة ميكانيكية تمتد في الفضاء ولا تفكر
06:34لكن هذا الفصل الحاد خلق لغزا مجنونا
06:38كيف يمكن لشيء غير مادي مجرد فكرة في العقل أن تجعل يدا مادية ترتفع
06:44وكيف يمكن لضربة على جسد مادي أن تسبب ألما في عقل غير مادي
06:49حاول ديكارت ترقيع المشكلة بالحديث عن الغدة الصنوبرية في الدماغ كحلقة وصل
06:55لكن التفسير كان ضعيفا وبقيت هذه المعضلة تطارد العلماء إلى يومنا هذا
07:01رغم كل هذه المطبات الفلسفية هذا الفصل العنيف بين العقل الخالص والمادة
07:07كان له أثر سحري على تطور البشرية
07:10نعم سحري بالفعل
07:12فبمجرد أن نظرنا إلى الجسد والطبيعة والكون بأسرته
07:17كآلات ميكانيكية ضخمة خلية من الأرواح والقوى الغامضة
07:21إن فتحت أبواب العلم الحديث على مسرعيها
07:24أصبحت الطبيعة نظاما يمكن قراءته بالحسامات والقياس
07:28اعتمدت الرياضيات كلغة عالمية رسمية لفهم الكون
07:32ومبدأ الشكل الجدري وتقسيم المشاكل المعقدة
07:35أصبح هو المعيار الذهبي للبحث العلمي
07:38متجاوزين بذلك أي سلطة قديمة
07:40هذه النظر الآلية الديكارتية
07:43هي التي مهدت الطريقة مباشرة لعمالقة مثل إسحاق نيوتون
07:46ليضع أسس الفيزياء التي نعرفها
07:49وهذا يوضح ببراعة الانقسام الفكري العنيف الذي انفجر بعد ديكارت
07:53انقسمت الفلسفة الحديثة إلى فريقين في معاركة طاحنة حول سؤال واحد
07:59كيف نكتسب المعرفة؟
08:01في الزاوية الأولى لدينا ورثة ديكارت العقلانيون
08:04الذين أصروا بشراسة على أن العقل يأتي مزودا بأفكار فطرية مسبقة
08:08وهو المصدر الوحيد والأعلى للحقيقة متفوقا على حواسنا الخائنة
08:13وفي الزاوية المقابلة ظهر الفلاسفة التجريبيون مثل جون لوك
08:17الذين شنوا هجوما مضادا كاسحا رافضين الأفكار الفطرية جملة وتفصيلا
08:22بالنسبة لهم عقلنا عند الولادة هو مجرد لوح فارغ صفحة بيضاء ناصعة
08:27وكل ما نعرف يكتب عليها حصريا من خلال تجاربنا الحسية وتفاعلنا المباشر مع العالم
08:33دعونا ننتقل لنرى كيف يتطور هذا الهجوم التاريخي
08:37وكيف تفككت قلعة ديكارت المعرفية المنيعة عبر القرون
08:41الأمر أشبه بقطع الدومينو وهي تتساقط واحدة تلو الأخرى
08:46بدأ القرن السابع عشر بمبدأ الصفحة البيضاء لجون لوك
08:50الذي أسقط الأفكار الفطرية
08:52في القرن الثامن عشر وجه ديفيد هيوم ضربة قاضية
08:56حين شكك في السببية ذاتها وفي فكرة وجود ذات ثابتة من الأساس
09:01ثم جاء أيمانوال كانت ليضع قيودا صارمة على العقل
09:05مؤكدا أننا لا نرى الواقع كما هو حقا
09:08وفي القرن التاسع عشر صخر نيتشا من الكوجيتو
09:11معتبرا الذات العقلانية المستقلة
09:13مجرد وهم لغوي تختبئ خلفه الغرائز
09:17لتأتي الضربة النهائية في القرن العشرين مع فرويد
09:20الذي أثبت أن العقل الواعي ليس هو السيد
09:23بل إن اللاوعي والرغبات المكبوتة هي من تتحكم فينا في الخفاء
09:28وهكذا نجد أن مشروع ديكارت الذي بدأ بالبحث عن اليقين المطلق
09:33ألقى بنا في مواجهة أعمق أسئلة الوجود
09:36واليوم بينما نعيش في عصر يتسارع فيه الذكاء الاصطناعي
09:41وثورة علوم الأعصاب
09:43تعود الثنائية الدكارتية لتحدق في وجوهنا بقوة
09:47إذا كان العلم الحديث يخبرنا اليوم أن التفكير كله
09:50مجرد شرارات عصبية وتفاعلات بيولوجية معقدة داخل الدماغ
09:54فهل هذا يعني أن الوعي البشرية لا يختلف كثيرا عن العمليات الحسابية للآلات؟
10:00هل نحن بكل مشاعرنا وذكرياتنا وأفكارنا مجرد آلات بيولوجية شديدة تعقيد تعمل وفق قوانين مادية صارمة؟
10:10أم أن هناك جانبا آخر لوعينا يتجاوز هذه المادة الصماء؟
10:14هذا السؤال المذهل الذي انطلق من عقل رجل في القرن السابع عشر مباشرة إلى وقعنا اليوم
10:20يترك لنا جميعا للتأمل والبحث المستمر
Comments

Recommended