00:04في الحروب والصراعات الشرسة
00:09كثيراً ما يكون الصمت البليغ هو آخر ما يسمعه المعتدي
00:15قبل أن يكتشف أنه أخطأ في الحساب
00:20ففي صباح الحادي والثلاثين من مارس عام 1807
00:28كانت رشيد صامتة
00:31كانت رشيد تجلس هادئة عندما صب النيل
00:37تداعب نسماته بيوتها المطلة على الماء
00:43حين أقبل عليها الجيش البريطاني
00:46محمولاً على غرور إمبراطورية تجوب البحار
00:51ويظن الجيش البريطاني
00:54أن المدينة ليست سوى محطة عابرة
00:58في طريق سهل إلى القاهرة
01:01لكن رشيد كانت تعرف شيئاً لا يعرفه القادمون
01:09لم يجدوا جيشاً مصطفاً عند أبواب المدينة
01:15لم تقرع طبول الحرب
01:19لم تمتلئ شوارع رشيد بالمقاتلين
01:23كانت الأبواب مغلقة والأسواق ساكنة
01:28والنوافذ لا تتحرك
01:30فتقدموا خطوة ثم خطوة
01:34ثم توغلوا أكثر في الأزقة
01:38وربما ظن المعتدي أن أهل رشيد قد خافوا
01:43هربوا وربما حسبوا أن المدينة المصرية انحنت للغزات
01:50لم يعرفوا أن خلف تلك الأبواب المغلقة
01:54كان المصريون ينتظرون بصبر القرون وحكمتها
02:00وأن النوافذ التي بدت لهم ساكنة
02:04كانت تعرف موعدها
02:07وفجأة فتحت النوافذ
02:11ومن البيوت والأسطح والأزقة
02:15انطلقت المقاومة
02:17تحول البيت إلى حسن
02:19والنافذة إلى موقع دفاعي
02:21والشارع الذي دخلوا الجنود مطمئنين
02:25تحول إلى متاهة
02:27تضيق عليهم كلما حاولوا النجاح
02:30لم تكن رشيد يومها أغنى مدن مصر
02:34ولا أكبرها
02:36لكنها كانت تملك شيئا أهم بكثير
02:41مصريتها
02:43لكن الأجمل في الحكاية
02:46لم يحدث كله في رشيد
02:48فحين وصلت أخبار المعركة إلى القاهرة
02:52وحين جاء النداء بأن المدينة تحتاج إلى النجدة
02:58لم يسأل القاهريون أين تقع رشيد
03:02قرأ الشيخ عمر مكرم رسالة الاستغاثة
03:07على الناس
03:09فتحركوا من القاهرة
03:11ومن السعيد
03:13ومن جماعات مختلفة
03:16ومهن مختلفة
03:18وأحياء مختلفة
03:20كان لكل واحد منهم بيته وحياته واختلافاته
03:25لكن كان لهم جميعا شيء واحد لا يقبل القسمة
03:33مصر المحروصة وأمنها واستقرارها
03:37ولأن التاريخ أحيانا لا يخبرنا فقط بما حدث
03:42وإنما يخبرنا بمن نكون نحن
03:46فالمصريون لم يكونوا يوما شعبا بلا اختلافات في السياسة
03:51في المصالح
03:52اختلفت بينهم الرؤى
03:54كما تختلف داخل كل أمة حية
03:58لكن الذين قرأوا هذا الاختلاف
04:03باعتباره قابلية لكسر مصر
04:07اكتشفوا مرة
04:09بعد مرة أنهم لم يفهموا المصريين
04:13لأن هناك خيطا خفيا
04:16قد يرتخي قليلا
04:19لكنه أبدا لا ينقطع
04:22ولا يظهر كاملا
04:24إلا عندما يشعر المصريون
04:28أن الخطر لم يعد يطرق باب واحد منهم
04:33بل يطرق باب مصر
04:36مرة مائتان وتسعة عشر عاما على نوافذ رشيد
04:41واليوم لم تعد كل الجيوش تأتي في بوارق حربية
04:47ولم يعد كل المعتدين يرتدون زيا عسكريا
04:51ولم تعد كل المعارك تحتاج إلى رصاصة
04:55هناك من يحاول اختراق المجتمعات من نافذة أخرى
05:01نافذة صغيرة
05:02نافذة صغيرة نحملها جميعا في أيدينا
05:07عبر شائع صورة مزيفة
05:11خبر مبتور
05:13فيديو ينتزع من سياقه
05:16كلمة خبيثة تلقى بين المواطن ودولته
05:20وسالسة تحاول أن تجعل القلق خوفا
05:25وتجعل الخوف غضبا
05:28والغضب شكا
05:30والشك شرخا
05:32لأن من عجز تاريخيا عن اقتحام الدولة
05:37والسيطرة الأبدية عليها
05:39يحاول الآن اقتحام وعي شعبها
05:44ووسط إقليم يشتعل
05:48وأخبار تتسابق
05:51وشائعات تحاول أن تسبق الحقيقة
05:54وأوهام تفضح الغرض والمرض
05:58ربما لم يعد السؤال الأهم من يقف متربصا
06:02خارج نوافذنا
06:04فجميعا يعرفوا
06:05السؤال أصبح
06:07ماذا نسمح نحن بالدخول إلى وعينا
06:12عبر شاشات الهواتف المحمولة
06:17أهلا بحضراتكم
06:19في حلقة جديدة من برنامج رؤيس
Comments