منهم مَن استُدعي ومنهم من طلبَ اللقاء ومنهم من دقَّ جرسَ الإنذار والمسؤولون اللبنانيون ما بدّلوا تبديلا. وبينَ القصورِ نفّذت أميركا وفرنسا وبريطانيا انتشاراً بأذرعِها الدبلوماسيةِ وبقوةِ إسنادٍ مِنَ الأممِ المتحدةِ عبرَ منسّقتِها في بيروت. حَراكُ السفراءِ بينَ المَقارِّ والكلامُ الذي قيلَ في السرّ والعلَن استهلكا كمياتٍ مِن الأوكسجين أين منها هبةُ الخمسةِ والسبعينَ طُناً التي أقامت الدنيا ولم تُقعدْها أمدّت بها دمشقُ الرئةَ اللبنانية ففضّل البعضُ ثانيَ أوكسيد الكربون السياسيَّ على الهواءِ الدمشقي. ولليوم الثاني استنجد رئيسُ الجُمهورية ميشال عون بالأساطيلِ الدبلوماسية فاستدعى السفيرةَ الأميركيةَ في بيروت دوروثي شيا إلى قصرِ بعبدا حيث بثّ الرئيسُ هواجسَ التأليف لكنّ شيا ومن على المِنبرِ الرئاسيّ أكّدت الحاجةَ الملحةَ الى تأليفِ حكومةٍ ملتزمةٍ الإصلاحات وقادرةٍ على تنفيذِها وتحدّثت عن قادةٍ شُجعان ممّن لديهم الاستعدادُ لوضعِ خلافاتِهم الحزبيةِ جانباً والعملِ معاً لإنقاذِ البلادِ من الأزَماتِ المتعدّدةِ والجروحِ التي أحدثتها بنفسِها والتي تواجهُها وعلى مرمى مَسمَعٍ مِن عون قالت السفيرةُ الأميركيةُ لأيِّ شخصٍ يضعُ شروطاً لتأليفِ هذهِ الحكومةِ التي هي حاجةٌ ماسةٌ لشعبِكم إذا كانت تلك الشروطُ قد أدّت إلى عرقلةِ تشكيلِ الحكومة، وسألت: الآنَ بعدَ مرورِ ثمانيةِ أشهرٍ تقريبًا من دون ِحكومةٍ بسلُطاتٍ كاملةٍ ألم يَحنِ الوقتُ للتخلي عن تلك الشروط والبَدءِ بالتسوية؟ إنه لمن المُهمِّ التركيزُ على تأليفِ الحكومةِ لا على عرقلتِها قالت شيا كلامَها ومشَت إلى بيتِ الوسَط حيثُ التقَت الرئيسَ المكلّفَ سعد الحريري والتزمتِ الصمتَ بعد اللقاءِ ومثلَها فعلت نظيرتُها الفرنسيةُ آن غريو التي قصدت عينَ التينة حيث التقَت رئيسَ مجلسِ النواب نبيه بري. أما منسّقةُ الأممِ المتحدة نجاة رشدي فتنقلّت بين قصري عينِ التينة وبيتِ الوسَط واعتَصمت بالصمت ليخرُجَ أبلغُ الكلامِ مِن لقاءِ السفيرِ البريطانيِّ لدى لبنان مارتن لونغدن ورئيسِ التيارِ الوطنيِّ الحرّ جبران باسيل وفي الرسالةِ البريطانية قال لونغدن إنّ القادةَ السياسيينَ يرقصونَ على حافَةِ الهاويةِ وأنَّ على جميعِ الأطرافِ تحمّلَ المسؤوليةِ والتحرّكَ لأنّ البديلَ الوحيدَ لذلك هو كارثةٌ لا يستطيعُ أصدقاءُ لبنانَ منعَها هذا هو الخِيار. كلامٌ في الدبلوماسيةِ لا يُصرَفُ في السياسةِ اللبنانية والسفراءُ يقرأُونَ مزاميرَهم على مسامعِ مسؤولينَ غيرِ مسؤولينَ فضّلوا الانهيارَ على تأليفِ حكومةٍ وَفقَ المبادرةِ الفرنسيةِ تأخذُ بيدِ الإصلاحات وتُنفّذُ الشروطَ المطلوبةَ لانتشالِ البلادِ من القعر والمسؤولون أنفسُهم ضرَبوا المبادرةَ بالأثلاثِ المعطِّلةِ والخمسةِ زائداً واحداً وأقاموا الحدَّ على رئيسٍ مُكلفٍ بالاختصاص كي يؤتوا بوزراءَ مِن أصحابِ السوابق. والتجارِبُ أثبتَت أنّ لبنانَ لا يستقيمُ إلا بالتسويات من تسويةِ السين-سين الشهيرةِ التي أوصلت سعد الحريري إلى قصرِ الشعب إلى الانفتاحِ الأميركيِّ الأوروبيِّ والخليجيِّ المستجِدِ على سوريا إلى المطبخِ النوويِّ حيث جيّر الأميركيونَ للأوروبيين طبخةً لاتفاقيةٍ أطولَ وأقوى يكونُ الامتثالُ فيها للطرفينِ الأميركيِّ ?
Comments